دروس في الرسائل - المحمدي البامياني، غلام علي - الصفحة ١٣٥ - الكلام في حكم الأخذ بالبراءة مع ترك الفحص
و لذا لم نر من تعرّض لهذه المسألة في باب البراءة، و إنّما كان محلّ تعرضهم باب الاجتهاد و التقليد، و كيف كان فشرح الحال في المسألة يقتضي رسم امور:
الأوّل: إنّ لهم فيها عنوانين:
أحدهما: إنّ تارك طريقي الاجتهاد و التقليد عمله باطل، كما في كلام بعضهم.
و الثاني: إنّ الجاهل بالحكم غير معذور، كما في كلام الآخرين.
و ربّما يتوهّم أنّ أحد العنوانين عبارة اخرى عن الآخر و هو بمعزل عن التحقيق، كيف و الثاني أعمّ من الأوّل.
فإنّ الأوّل مختصّ بالعبادات و المعاملات حيث كان فيهما مسرح للصحّة و البطلان، و لا يأتي في باب المحرّمات مثل حرمة الغيبة و شرب الخمر و اللواط و الزنا إلى غير ذلك ممّا لا مسرح لهما فيه.
و هذا بخلاف الثاني، فإنّه يعمّ جميع أبواب الفقه، و حيث كان الثاني أشمل فهو أولى بأن نجعل العنوان فيه، فإنّ البحث عنه يغنينا عن الأوّل، بخلاف العكس.
الثاني: إنّ المراد بالجاهل المأخوذ في العنوان ليس معناه اللغوي، بل من لم يعلم بالحكم الواقعي من طرقه الواقعيّة كالاجتهاد و التقليد، فيشمل- حينئذ- من حصل له العلم بالواقع من قول أبويه أو معلّمه مع إصابتهم الواقع.
و الدليل على هذا التعميم وقوع هذا القسم أيضا بمحلّ الخلاف، و لا ينافي ذلك- أعني: كون المراد بالجاهل تارك طريقي الاجتهاد و التقليد- ما تقدّم من كون الثاني أعمّ؛ لأنّ التعميم الثابت من طرف المحمول لا ينافي الاتحاد في الموضوع.
و إذا عرفت معنى الجاهل فاعلم إنّه إمّا أن يكون له التفات إلى الحكم الشرعي أم لا، بل يكون غافلا عنه، و على الأوّل؛ إمّا أن يكون جازما به أو متردّدا فيه فالأقسام ثلاثة.
و أمّا المتردّد فتحته أيضا صور؛ لأنّه بالنسبة إلى حكم السؤال؛ إمّا أن يكون له التفات إليه أم لا، بل يكون غافلا عنه، و على الأخير؛ فإمّا أن يكون في سابق زمانه هذا له التفات إليه أم لا، بل كان من أوّل الأمر غافلا عنه، و على الأوّل؛ فإمّا أن يكون حال الالتفات عالما به، أو متردّدا.