البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٣٤٠ - فصل و أما كتاب الوحي و غيره بين يديه (صلوات اللَّه و سلامه عليه) و رضى عنهم أجمعين
كل واحد منهم في أيام خلافته إن شاء اللَّه و به الثقة.
و منهم رضى اللَّه عنهم أبان بن سعيد بن العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصي الأموي. أسلّم بعد أخويه خالد و عمرو، و كان إسلامه بعد الحديبيّة لأنه هو الّذي أجار عثمان حين بعثه رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) الى أهل مكة يوم الحديبيّة، و قيل خيبر لأن له ذكر في الصحيح من حديث أبى هريرة في قسمة غنائم خيبر، و كان سبب إسلامه أنه اجتمع براهب و هو في تجارة بالشام فذكر له أمر رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فقال له الراهب ما اسمه؟ قال محمد، قال فانا أنعته لك، فوصفه بصفته سواء و قال إذا رجعت إلى أهلك فأقرئه السلام. فأسلم بعد مرجعه و هو أخو عمرو بن سعيد الأشدق الّذي قتله عبد الملك بن مروان. قال أبو بكر بن أبى شيبة: كان أول من كتب الوحي بين يدي رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) أبىّ بن كعب، فإذا لم يحضر كتب زيد بن ثابت، و كتب له عثمان و خالد بن سعيد و أبان ابن سعيد. هكذا قال- يعنى بالمدينة- و إلا فالسور المكية لم يكن أبىّ بن كعب حال نزولها، و قد كتبها الصحابة بمكة رضى اللَّه عنهم. و قد اختلف في وفاة أبان بن سعيد هذا فقال موسى بن عقبة و مصعب بن الزبير و الزبير بن بكار و أكثر أهل النسب قتل يوم أجنادين، يعنى في جمادى الأولى سنة ثنتى عشرة. و قال آخرون قتل يوم مرج الصّفر سنة أربع عشرة. و قال محمد بن إسحاق قتل هو و أخوه عمرو يوم [اليرموك لخمس مضين من رجب سنة خمس عشرة. و قيل إنه تأخر إلى أيام عثمان و كان يملى المصحف] الامام على زيد بن ثابت ثم توفى سنة تسع و عشرين فاللَّه أعلم.
و منهم أبى بن كعب بن قيس بن عبيد الخزرجي الأنصاري. أبو المنذر، و يقال أبو الطفيل، سيد القراء شهد العقبة الثانية و بدرا و ما بعدها. و كان ربعة نحيفا أبيض الرأس و اللحية لا يغير شيبة. قال أنس: جمع القرآن أربعة- يعنى من الأنصار- أبى بن كعب، و معاذ بن جبل، و زيد ابن ثابت، و رجل من الأنصار يقال له أبو يزيد أخرجاه.
و في الصحيحين عن أنس أن رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) قال لأبي «إن اللَّه أمرنى أن أقرأ عليك القرآن» قال و سماني لك يا رسول اللَّه؟ قال «نعم»
قال فذرفت عيناه. و معنى أن أقرأ عليك قراءة إبلاغ و اسماع لا قراءة تعلم منه، هذا لا يفهمه أحد من أهل العلم، و إنما نبهنا على هذا لئلا يعتقد خلافه. و قد ذكرنا في موضع آخر سبب القراءة عليه و أنه قرأ عليه سورة لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ وَ الْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ يَتْلُوا صُحُفاً مُطَهَّرَةً فِيها كُتُبٌ قَيِّمَةٌ
و ذلك أن أبى بن كعب كان قد أنكر على رجل قراءة سورة على خلاف ما كان يقرأ أبى، فرفعه أبى إلى رسول اللَّه فقال: «اقرأ يا أبى» فقرأ فقال:
«هكذا أنزلت» ثم قال لذلك الرجل «اقرأ» فقرأ فقال «هكذا أنزلت»
قال أبى: فأخذني من الشك و لا إذ كنت في الجاهلية، قال فضرب رسول اللَّه في صدري ففضضت عرقا و كأنما انظر إلى