البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٣٠٢ - فصل فيمن خطبها (عليه السلام) و لم يعقد عليها
فطلقها، فتزوجها بعده هشام بن المغيرة فولدت له سلمة، و كانت امرأة ضخمة جميلة لها شعر غزير يجلل جسمها، فخطبها رسول اللَّه من ابنها سلمة، فقال: حتى استأمرها؟ فاستأذنها فقالت يا بنى أ في رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) تستأذن؟ فرجع ابنها فسكت و لم يرد جوابا، و كأنه رأى أنها قد طعنت في السن، و سكت النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) عنها. و به
عن ابن عباس قال: خطب رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) صفية بنت بشامة بن نضلة العنبري، و كان أصابها سبى فخيرها رسول اللَّه فقال: «إن شئت أنا و إن شئت زوجك»
فقالت: بل زوجي فأرسلها فلعنتها بنو تميم. و قال محمد بن سعد أنبأنا الواقدي ثنا موسى بن محمد ابن إبراهيم التيمي عن أبيه قال: كانت أم شريك امرأة من بنى عامر بن لؤيّ قد وهبت نفسها من رسول اللَّه، فلم يقبلها فلم تتزوج حتى ماتت؟ قال محمد بن سعد و أنبأنا وكيع عن شريك عن جابر عن الحكم عن على بن الحسين أن رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) تزوج أم شريك الدوسية. قال الواقدي:
الثبت عندنا أنها من دوس من الأزد. قال محمد بن سعد: و اسمها غزية بنت جابر بن حكيم. و قال الليث بن سعد: عن هشام بن محمد عن أبيه قال متحدث أن أم شريك كانت وهبت نفسها للنّبيّ (صلّى اللَّه عليه و سلّم)، و كانت امرأة صالحة [و ممن خطبها و لم يعقد عليها حمزة بنت الحارث بن عون بن أبى حارثة المري فقال أبوها: إن بها سوءا- و لم يكن بها- فرجع اليها و قد تبرصت و هي أم شبيب بن البرصاء الشاعر هكذا ذكره سعيد بن أبى عروبة عن قتادة. قال: و خطب حبيبة بنت العباس بن عبد المطلب فوجد أباها أخوه من الرضاعة أرضعتهما ثويبة مولاة أبى لهب] فهؤلاء نساؤه و هن ثلاثة أصناف، صنف دخل بهن و مات عنهن وهن التسع المبدإ بذكرهن، و هن حرام على الناس بعد موته (عليه السلام) بالإجماع المحقق المعلوم من الدين ضرورة، و عدتهن بانقضاء أعمارهن. قال اللَّه تعالى:
وَ ما كانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَ لا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْواجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَداً إِنَّ ذلِكُمْ كانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيماً و صنف دخل بهن و طلقهن في حياته فهل يحل لأحد أن يتزوجهن بعد انقضاء عدتهن منه (عليه السلام)؟ فيه قولان للعلماء، أحدهما لا لعموم الآية التي ذكرناها. و الثاني نعم بدليل آية التخيير و هي قوله يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْواجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَياةَ الدُّنْيا وَ زِينَتَها فَتَعالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَ أُسَرِّحْكُنَّ سَراحاً جَمِيلًا، وَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَ رَسُولَهُ وَ الدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِناتِ مِنْكُنَّ أَجْراً عَظِيماً قالوا فلو لا أنها تحل لغيره أن يتزوجها بعد فراقه إياها لم يكن في تخييرها بين الدنيا و الآخرة فائدة إذ لو كان فراقه لها لا يبحها لغيره لم يكن فيه فائدة لها، و هذا قوى و اللَّه تعالى أعلم. و أما الصنف الثالث و هي من تزوجها و طلقها قبل أن يدخل بها، فهذه تحل لغيره أن يتزوجها، و لا أعلم في هذا القسم نزاعا. و أما من خطبها و لم يعقد عقده عليها فأولى لها أن تتزوج، و أولى. و سيجيء فصل في كتاب الخصائص يتعلق بهذا المقام و اللَّه أعلم.