البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٣ - ذكر غزوة تبوك في رجب منها
اللَّه من تخلف منهم لغير عذر من المنافقين و المقصرين، و لامهم و وبخهم و قرعهم أشد التقريع و فضحهم أشد الفضيحة و أنزل فيهم قرآنا يتلى و بين أمرهم في سورة براءة كما قد بينا ذلك مبسوطا في التفسير و أمر المؤمنين بالنفر على كل حال. فقال تعالى انْفِرُوا خِفافاً وَ ثِقالًا وَ جاهِدُوا بِأَمْوالِكُمْ وَ أَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ، لَوْ كانَ عَرَضاً قَرِيباً وَ سَفَراً قاصِداً لَاتَّبَعُوكَ وَ لكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ وَ سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَوِ اسْتَطَعْنا لَخَرَجْنا مَعَكُمْ يُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ وَ اللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ ثم الآيات بعدها. ثم قال تعالى وَ ما كانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْ لا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَ لِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ فقيل إن هذه ناسخة لتلك و قيل لا فاللَّه أعلم.
قال ابن إسحاق: ثم أقام رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) بالمدينة ما بين ذي الحجة إلى رجب- يعنى من سنة تسع- ثم أمر الناس بالتهيؤ لغزو الروم. فذكر الزهري و يزيد بن رومان و عبد اللَّه بن أبى بكر و عاصم ابن عمر بن قتادة و غيرهم من علمائنا كل يحدث عن غزوة تبوك ما بلغه عنها و بعض القوم يحدث ما لم يحدث بعض أن رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) أمر أصحابه بالتهيؤ لغزو الروم و ذلك في زمان عسرة من الناس و شدة من الحر و جدب من البلاد و حين طابت الثمار فالناس يحبون المقام في ثمارهم و ظلالهم و يكرهون الشخوص في الحال من الزمان الّذي هم عليه، و كان رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) قل ما يخرج في غزوة إلا كنى عنها إلا ما كان من غزوة تبوك فإنه بينها للناس لبعد المشقة و شدة الزمان و كثرة العدو الّذي يصمد اليه ليتأهب الناس لذلك أهبته. فأمرهم بالجهاد و أخبرهم أنه يريد الروم.
فقال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) ذات يوم و هو في جهازه ذلك للجد بن قيس أحد بنى سلمة «يا جد هل لك العام في جلاد بنى الأصفر؟» فقال يا رسول اللَّه أو تأذن لي و لا تفتني فو اللَّه لقد عرف قومي أنه ما رجل باشد عجبا بالنساء منى و إني أخشى إن رأيت نساء بنى الأصفر أن لا أصبر، فاعرض عنه رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و قال «قد أذنت لك»
ففي الجد أنزل اللَّه هذه الآية وَ مِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَ لا تَفْتِنِّي أَلا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا وَ إِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكافِرِينَ و قال قوم من المنافقين بعضهم لبعض: لا تنفروا في الحر زهادة في الجهاد و شكافى الحق و إرجافا بالرسول (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فانزل اللَّه فيهم وَ قالُوا لا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ قُلْ نارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَوْ كانُوا يَفْقَهُونَ، فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا وَ لْيَبْكُوا كَثِيراً جَزاءً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ. قال ابن هشام: حدثني الثقة عمن حدثه عن محمد بن طلحة بن عبد الرحمن عن إسحاق بن إبراهيم بن عبد اللَّه ابن حارثة عن أبيه عن جده قال: بلغ رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) أن ناسا من المنافقين يجتمعون في بيت سويلم اليهودي- و كان بيته عند جاسوم- يثبطون الناس عن رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) في غزوة تبوك فبعث اليهم طلحة بن عبيد اللَّه في نفر من أصحابه و أمره أن يحرق عليهم بيت سويلم، ففعل طلحة فاقتحم الضحاك