البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٩ - فصل
ذر فاستهل ابن مسعود يبكى و قال: صدق رسول اللَّه يرحم اللَّه أبا ذر يمشى وحده و يموت وحده و يبعث وحده، فنزل فوليه بنفسه حتى أجنه. إسناده حسن و لم يخرجوه قال الامام احمد حدثنا عبد الرزاق أخبرنا معمر أخبرنا عبد اللَّه بن محمد بن عقيل في قوله (الذين اتبعوه في ساعة العسرة).
قال خرجوا في غزوة تبوك الرجلان و الثلاثة على بعير واحد و خرجوا في حر شديد فأصابهم في يوم عطش حتى جعلوا ينحرون إبلهم لينفضوا أكراشها و يشربوا ماءها فكان ذلك عسرة في الماء و عسرة في النفقة و عسرة في الظهر، قال عبد اللَّه بن وهب أخبرنى عمرو بن الحارث عن سعيد بن أبى هلال عن عتبة بن أبى عتبة عن نافع بن جبير عن عبد اللَّه بن عباس أنه قيل لعمر بن الخطاب حدثنا عن شأن ساعة العسرة فقال عمر: خرجنا الى تبوك في قيظ شديد فنزلنا منزلا و أصابنا فيه عطش حتى ظننا أن رقابنا ستنقطع حتى أن كان أحدنا ليذهب فيلتمس الرحل فلا يرجع حتى يظن أن رقبته ستنقطع حتى أن الرجل لينحر بعيره فيعتصر فرثه فيشربه ثم يجعل ما بقي على كبده
فقال أبو بكر الصديق: يا رسول اللَّه إن اللَّه قد عودك في الدعاء خيرا فادع اللَّه لنا فقال «أو تحب ذلك؟» قال نعم! قال فرفع يديه نحو السماء فلم يرجعهما حتى قالت [١] السماء فاطلت ثم سكبت فملئوا ما معهم ثم ذهبنا ننظر فلم نجدها جاوزت العسكر،
اسناده جيد و لم يخرجوه من هذا الوجه. و قد ذكر ابن إسحاق عن عاصم بن عمر بن قتادة عن رجال من قومه أن هذه القصة كانت و هم بالحجر و أنهم قالوا لرجل معهم منافق ويحك هل بعد هذا من شيء؟! فقال سحابة مارة، و ذكر أن ناقة رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) ضلت فذهبوا في طلبها
فقال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) لعمارة بن حزم الأنصاري- و كان عنده- «إن رجلا قال هذا محمد يخبركم أنه نبي و يخبركم خبر السماء و هو لا يدرى أين ناقته، و إني و اللَّه لا أعلم الا ما علمني اللَّه و قد دلني اللَّه عليها هي في الوادي قد حبستها شجرة بزمامها»
فانطلقوا فجاءوا بها فرجع عمارة الى رحله فحدثهم عما جاء رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) من خبر الرجل فقال رجل ممن كان في رحل عمارة انما قال ذلك زيد بن اللصيت [٢] و كان في رحل عمارة قبل أن يأتى فأقبل عمارة على زيد يجأ في عنقه و يقول إن في رحلي لداهية و أنا لا أدرى، أخرج عنى يا عدو اللَّه فلا تصحبنى. فقال بعض الناس إن زيدا تاب، و قال بعضهم لم يزل متهما بشر [٣] حتى هلك.
قال الحافظ البيهقي: و قد روينا من حديث ابن مسعود شبيها بقصة الراحلة ثم روى من حديث الأعمش و قد رواه الامام احمد عن أبى معاوية عن الأعمش عن أبى صالح عن أبى هريرة أو عن أبى
[١] قالت بمعنى استعدت و تهيأت. عن القاموس.
[٢] كذا في الأصلين و في التيمورية:
الصلت، و في الاصابة لصيب و قيل نصيب، و في ابن هشام: اللصيت و قيل لصيب و مثله في ابن جرير بالباء.
[٣] كذا في الحلبية، و في المصرية لم يزل مصرا.