البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٨ - فصل
و اللَّه لا أدخل عريش واحدة منكما حتى الحق برسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فهيئا زادا ففعلتا ثم قدم ناضحه فارتحله ثم خرج في طلب رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) حتى أدركه حين نزل تبوك، و كان أدرك أبا خيثمة عمير ابن وهب الجمحيّ في الطريق يطلب رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فترافقا حتى إذا دنوا من تبوك قال أبو خيثمة لعمير بن وهب إن لي ذنبا فلا عليك أن تخلف عنى حتى آتى رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) ففعل حتى إذا دنا من رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) قال الناس هذا راكب على الطريق مقبل
فقال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) «كن أبا خيثمة» فقالوا يا رسول اللَّه هو و اللَّه أبو خيثمة فلما بلغ أقبل فسلم على رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فقال له «أولى لك يا أبا خيثمة» ثم أخبر رسول اللَّه الخبر فقال خيرا و دعا له بخير.
و قد ذكر عروة بن الزبير و موسى بن عقبة قصة أبى خيثمة بنحو من سياق محمد بن إسحاق و أبسط و ذكر أن خروجه (عليه السلام) إلى تبوك كان في زمن الخريف فاللَّه أعلم. قال ابن هشام و قال أبو خيثمة و اسمه مالك بن قيس في ذلك:
لما رأيت الناس في الدين نافقوا* * * أتيت التي كانت أعف و أكرما
و بايعت باليمنى يدي لمحمد* * * فلم أكتسب إنما و لم أغش محرما
تركت خضيبا في العريش و صرمة* * * صفايا كراما بسرها قد تحمما
و كنت إذا شك المنافق أسمحت* * * الى الدين نفسي شطره حيث يمما
قال يونس بن بكير عن محمد بن إسحاق عن بريدة عن سفيان عن محمد بن كعب القرظي عن عبد اللَّه بن مسعود قال: لما سار رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) إلى تبوك جعل لا يزال الرجل يتخلف فيقولون يا رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) تخلف فلان فيقول «دعوه إن يك فيه خير فسيلحقه اللَّه بكم و إن يك غير ذلك فقد أراحكم اللَّه منه» حتى قيل يا رسول اللَّه تخلف أبو ذر و أبطأ به بعيره فقال «دعوه إن يك فيه خير فسيلحقه اللَّه بكم و إن يك غير ذلك فقد أراحكم اللَّه منه»
فتلوم أبو ذر بعيره فلما أبطأ عليه أخذ متاعه فجعله على ظهره ثم خرج يتبع رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) ماشيا، و نزل رسول اللَّه في بعض منازله و نظر ناظر من المسلمين فقال يا رسول اللَّه إن هذا الرجل ماش على الطريق
فقال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) «كن أبا ذر» فلما تأمله القوم قالوا يا رسول اللَّه هو و اللَّه أبو ذر فقال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) «يرحم اللَّه أبا ذر يمشى وحده و يموت وحده و يبعث وحده»
قال فضرب [١] ضربه و سير أبو ذر الى الرَّبَذَة فلما حضره الموت أوصى امرأته و غلامه فقال إذا مت فاغسلانى و كفناني من الليل ثم ضعاني على قارعة الطريق فأول ركب يمرون بكم فقولوا هذا أبو ذر، فلما مات فعلوا به كذلك فاطلع ركب فما علموا به حتى كادت ركابهم تطأ سريره فإذا ابن مسعود في رهط من أهل الكوفة فقال ما هذا؟ فقيل جنازة أبى
[١] بياض في الأصل من النسختين و لعلها فضرب الدهر ضربه. و كان مسيره الى الرَّبَذَة مبعّدا في خلافة عثمان و قصته مشهورة و حكاية وفاته هذه مبسوطة في الجزء الأول من حلية الأولياء.