البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٤٤ - الواردين إلى رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم)
أتيناك كيما يعلم الناس فضلنا* * * إذا اختلفوا عند احتضار المواسم
بأنّا فروع الناس في كل موطن* * * و أن ليس في أرض الحجاز كدارم
و أنا نذود المعلمين إذا انتخوا* * * و نضرب رأس الأصيد المتفاقم
و إن لنا المرباع في كل غارة* * * تغير بنجد أو بأرض الأعاجم
قال فقام حسان فأجابه فقال:
هل المجد إلا السؤدد العود و الندى* * * و جاه الملوك و احتمال العظائم
نصرنا و آوينا النبي محمدا* * * على أنف راض من معد و راغم
بحي حريد أصله و ثراؤه* * * بجابية الجولان وسط الأعاجم
نصرناه لما حل بين بيوتنا* * * بأسيافنا من كل باغ و ظالم
جعلنا بنينا دونه و بناتنا* * * و طبنا له نفسا بفيء المغانم
و نحن ضربنا الناس حتى تتابعوا* * * على دينه بالمرهفات الصوارم
و نحن ولدنا من قريش عظيمها* * * ولدنا نبي الخير من آل هاشم
بنى دارم لا تفخروا إن فخركم* * * يعود وبالا عند ذكر المكارم
هبلتم علينا تفخرون و أنتم* * * لنا خول من بين ظئر و خادم
فان كنتم جئتم لحقن دمائكم* * * و أموالكم أن تقسموا في المقاسم
فلا تجعلوا للَّه ندا و أسلموا* * * و لا تلبسوا زيا كزى الأعاجم
قال ابن إسحاق: فلما فرغ حسان بن ثابت من قوله، قال الأقرع بن حابس: و أبى إن هذا لمؤتى له لخطيبه أخطب من خطيبنا، و لشاعره أشعر من شاعرنا، و لأصواتهم أعلا من أصواتنا. قال فلما فرغ القوم أسلموا و جوزهم رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فأحسن جوائزهم، و كان عمرو بن الأهتم قد خلفه القوم في رحالهم و كان أصغرهم سنا، فقال قيس بن عاصم- و كان يبغض عمرو بن الأهتم- يا رسول اللَّه إنه كان رجل منافى رحالنا و هو غلام حدث و أزرى به، فأعطاه رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) مثل ما أعطى القوم، قال عمرو بن الأهتم حين بلغه أن قيسا قال ذلك يهجوه:
ظللت مفترش الهلباء تشتمني* * * عند الرسول فلم تصدق و لم تصب
سدناكم سؤددا رهوا و سؤددكم* * * باد نواجذه مقع على الذنب
و قد روى الحافظ البيهقي من طريق يعقوب بن سفيان حدثنا سليمان بن حرب حدثنا حماد بن زيد عن محمد بن الزبير الحنظليّ. قال: قدم على رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) الزبرقان بن بدر، و قيس بن عاصم، و عمرو بن الأهتم. فقال لعمرو بن الأهتم: «أخبرنى عن الزبرقان، فاما هذا فلست