البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٩٠ - فصل
ابن عبد اللَّه الحافظ حدثنا أبو عبد اللَّه الصفار ثنا إسماعيل بن إسحاق القاضي ثنا نصر بن على ثنا ابن داود عن فضيل بن مرزوق. قال قال زيد بن على بن الحسين بن على بن أبى طالب: أما أنا فلو كنت مكان أبى بكر لحكمت بما حكم به أبو بكر في فدك.
فصل
و قد تكلمت الرافضة في هذا المقام بجهل، و تكلفوا ما لا علم لهم به، و كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه، و لما يأتهم تأويله، و أدخلوا أنفسهم فيما لا يعنيهم، و حاول بعضهم أن يرد خبر أبى بكر رضى اللَّه عنه فيما ذكرناه بأنه مخالف للقرآن حيث يقول اللَّه تعالى وَ وَرِثَ سُلَيْمانُ داوُدَ الآية. و حيث قال تعالى إخبارا عن زكريا أنه قال: فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا يَرِثُنِي وَ يَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَ اجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا. و استدلالهم بهذا باطل من وجوه، أحدها أن قوله: وَ وَرِثَ سُلَيْمانُ داوُدَ إنما يعنى بذلك في الملك و النبوة، أي جعلناه قائما بعده فيما كان يليه من الملك و تدبير الرعايا، و الحكم بين بنى إسرائيل، و جعلناه نبيا كريما كأبيه و كما جمع لأبيه الملك و النبوة كذلك جعل ولده بعده، و ليس المراد بهذا وراثة المال لأن داود كما ذكره كثير من المفسرين كان له أولاد كثيرون يقال مائة، فلم اقتصر على ذكر سليمان من بينهم لو كان المراد وراثة المال؟ إنما المراد وراثة القيام بعده في النبوة و الملك، و لهذا قال: وَ وَرِثَ سُلَيْمانُ داوُدَ و قال: يا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنا مَنْطِقَ الطَّيْرِ وَ أُوتِينا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِنَّ هذا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ و ما بعدها من الآيات. و قد أشبعنا الكلام على هذا في كتابنا التفسير بما فيه كفاية و للَّه الحمد و المنة كثيرا.
و أما قصة زكريا فإنه (عليه السلام) من الأنبياء الكرام، و الدنيا كانت عنده أحقر من أن يسأل اللَّه ولدا ليرثه في ماله، كيف؟ و إنما كان نجارا يأكل من كسب يده كما رواه البخاري، و لم يكن ليدخر منها فوق قوته حتى يسأل اللَّه ولدا يرث عنه ماله- أن لو كان له مال- و إنما سأل ولدا صالحا يرثه في النبوة و القيام بمصالح بنى إسرائيل، و حملهم على السداد. و لهذا قال تعالى: كهيعص ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا إِذْ نادى رَبَّهُ نِداءً خَفِيًّا، قالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَ اشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً وَ لَمْ أَكُنْ بِدُعائِكَ رَبِّ شَقِيًّا، وَ إِنِّي خِفْتُ الْمَوالِيَ مِنْ وَرائِي وَ كانَتِ امْرَأَتِي عاقِراً فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا، يَرِثُنِي وَ يَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَ اجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا القصة بتمامها. فقال وليا يرثني و يرث من آل يعقوب، يعنى النبوة كما قررنا ذلك في التفسير و للَّه الحمد و المنة. و قد تقدم
في رواية أبى سلمة عن أبى هريرة عن أبى بكر. أن رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) قال: «النبي لا يورث»
و هذا اسم جنس يعم كل الأنبياء و قد حسنه الترمذي. و
في الحديث الآخر «نحن معشر الأنبياء لا نورث».