البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٨٩ - بيان رواية الجماعة لما رواه الصديق و موافقتهم على ذلك
من الفقه النافع الصحيح، و رتبته على أبواب الفقه المصطلح عليها اليوم. و قد روينا أن فاطمة رضى اللَّه عنها احتجت أولا بالقياس و بالعموم في الآية الكريمة، فأجابها الصديق بالنص على الخصوص بالمنع في حق النبي، و أنها سلمت له ما قال. و هذا هو المظنون بها رضى اللَّه عنها.
و قال الامام احمد حدثنا عفان ثنا حماد بن سلمة عن محمد بن عمرو عن أبى سلمة أن فاطمة قالت لأبى بكر: من يرثك إذا مت؟ قال ولدى و أهلي، قالت فما لنا لا نرث رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم)؟ فقال: سمعت رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) يقول: «إن النبي لا يورث» و لكنى أعول من كان رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) يعول و أنفق على من كان رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) ينفق. و قد رواه الترمذي في جامعه عن محمد بن المثنى عن أبى الوليد الطيالسي عن محمد بن عمرو عن أبى سلمة عن أبى هريرة،
فذكره بوصل الحديث. و قال الترمذي حسن صحيح غريب. فأما الحديث الّذي
قال الامام احمد حدثنا عبد اللَّه بن محمد بن أبى شيبة ثنا محمد بن فضيل عن الوليد بن جميع عن أبى الطفيل. قال: لما قبض رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) أرسلت فاطمة الى أبى بكر أ أنت ورثت رسول اللَّه أم أهله؟ فقال: لا بل أهله، فقالت فأين سهم رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم)؟ فقال أبو بكر إني سمعت رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) يقول: «إن اللَّه إذا أطعم نبيا طعمة ثم قبضه جعله للذي يقوم من بعده» فرأيت أن أرده على المسلمين. قالت فأنت و ما سمعت من رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم). و هكذا رواه أبو داود عن عثمان بن أبى شيبة عن محمد بن فضيل به.
ففي لفظ هذا الحديث غرابة و نكارة، و لعله روى بمعنى ما فهمه بعض الرواة، و فيهم من فيه تشيع فليعلم ذلك. و أحسن ما فيه
قولها أنت و ما سمعت من رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم)،
و هذا هو الصواب و المظنون بها، و اللائق بأمرها و سيادتها و علمها و دينها، رضى اللَّه عنها، و كأنها سألته بعد هذا أن يجعل زوجها ناظرا على هذه الصدقة فلم يجبها إلى ذلك لما قدمناه، فتعتبت عليه بسبب ذلك و هي امرأة من بنات آدم تأسف كما يأسفون و ليست بواجبة العصمة مع وجود نص رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم)، و مخالفة أبى بكر الصديق رضى اللَّه عنها و قد روينا عن أبى بكر رضى اللَّه عنه: أنه ترضى فاطمة و تلاينها قبل موتها فرضيت رضى اللَّه عنها.
قال الحافظ أبو بكر البيهقي: أنبأنا أبو عبد اللَّه محمد بن يعقوب حدثنا محمد بن عبد الوهاب ثنا عبدان بن عثمان العتكيّ بنيسابور أنبأنا أبو حمزة عن إسماعيل بن أبى خالد عن الشعبي. قال: لما مرضت فاطمة أتاها أبو بكر الصديق فاستأذن عليها، فقال على يا فاطمة هذا أبو بكر يستأذن عليك؟
فقالت أ تحب أن آذن له؟ قال نعم! فأذنت له فدخل عليها يترضاها فقال: و اللَّه ما تركت الدار و المال و الأهل و العشيرة إلا ابتغاء مرضاة اللَّه، و مرضاة رسوله، و مرضاتكم أهل البيت، ثم ترضاها حتى رضيت.
و هذا إسناد جيد قوى، و الظاهر أن عامر الشعبي سمعه من عليّ، أو ممن سمعه من على، و قد اعترف علماء أهل البيت بصحة ما حكم به أبو بكر في ذلك. قال الحافظ البيهقي أنبأنا محمد