البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٨٧ - بيان رواية الجماعة لما رواه الصديق و موافقتهم على ذلك
حتى أخبرتهن عائشة بذلك، و وافقنها عليه، و ليس يظن بفاطمة رضى اللَّه عنها أنها اتهمت الصديق رضى اللَّه عنه فيما أخبرها به، حاشاها و حاشاه من ذلك، كيف و قد وافقه على رواية هذا الحديث عمر بن الخطاب، و عثمان بن عفان، و عليّ بن أبى طالب، و العباس بن عبد المطلب، و عبد الرحمن ابن عوف، و طلحة بن عبيد اللَّه، و الزبير بن العوام، و سعد بن أبى وقاص، و أبو هريرة، و عائشة رضى اللَّه عنهم أجمعين كما سنبينه قريبا. و لو تفرد بروايته الصديق رضى اللَّه عنه لوجب على جميع أهل الأرض قبول روايته و الانقياد له في ذلك، و إن كان غضبها لأجل ما سألت الصديق إذ كانت هذه الأراضي صدقة لا ميراثا أن يكون زوجها ينظر فيها، فقد اعتذر بما حاصله أنه لما كان خليفة رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فهو يرى أن فرضا عليه أن يعمل بما كان يعمله رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم)، و يلي ما كان يليه رسول اللَّه، و لهذا قال: و إني و اللَّه لا أدع امرا كان يصنعه فيه رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) إلا صنعته، قال فهجرته فاطمة فلم تكلمه حتى ماتت. و هذا الهجران و الحالة هذه فتح على فرقة الرافضة شرا عريضا، و جهلا طويلا، و أدخلوا أنفسهم بسببه فيما لا يعنيهم و لو تفهموا الأمور على ما هي عليه لعرفوا للصديق فضله، و قبلوا عنه عذره الّذي يجب على كل أحد قبوله، و لكنهم طائفة مخذولة، و فرقة مرذولة، يتمسكون بالمتشابه، و يتركون الأمور المحكمة المقدرة عند أئمة الإسلام، من الصحابة و التابعين فمن بعدهم من العلماء المعتبرين في سائر الاعصار و الأمصار رضى اللَّه عنهم و أرضاهم أجمعين.
بيان رواية الجماعة لما رواه الصديق و موافقتهم على ذلك
قال البخاري: حدثنا يحيى بن بكير ثنا الليث عن عقيل عن ابن شهاب قال أخبرنى مالك ابن أوس بن الحدثان و كان محمد بن جبير بن مطعم ذكر لي ذكرا من حديثه ذلك فانطلقت حتى دخلت عليه فسألته فقال انطلقت حتى أدخل على عمر فأتاه حاجبه يرفا فقال هل لك في عثمان و عبد الرحمن بن عوف و الزبير و سعد؟ قال نعم! فأذن لهم ثم قال: هل لك في عليّ و عباس؟ قال نعم! قال عباس: يا أمير المؤمنين أقض بيني و بين هذا، قال أنشدكم باللَّه الّذي باذنه تقوم السماء و الأرض هل تعلمون
أن رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم). قال: «لا نورث ما تركنا صدقة؟»
يريد رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) نفسه؟ قال الرهط قد قال ذلك، فأقبل على عليّ و عباس فقال: هل تعلمان أن رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) قد قال ذلك؟ قالا قد قال ذلك قال عمر بن الخطاب فانى أحدثكم عن هذا الأمر إن اللَّه كان قد خص لرسول اللَّه في هذا الفيء بشيء لم يعطه أحدا غيره، قال (ما أفاء اللَّه على رسوله) الى قوله (قدير) فكانت خالصة لرسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم)، و اللَّه ما احتازها دونكم، و لا استأثرها عليكم، لقد أعطاكموها و بثها فيكم حتى بقي منها هذا المال، فكان رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) ينفق على أهله من هذا المال نفقة سنته، ثم