البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٨١ - فصل
عفو عن الزلات يقبل عذرهم* * * و إن يحسنوا فاللَّه بالخير أجود
و إن ناب أمر لم يقوموا بحمله* * * فمن عنده تيسير ما يتشدد
فبينا هم في نعمة اللَّه وسطهم* * * دليل به نهج الطريقة يقصد
عزيز عليه أن يجوروا عن الهدى* * * حريص على أن يستقيموا و يهتدوا
عطوف عليهم لا يثنى جناحه* * * الى كنف يحنو عليهم و يمهد
فبينا هم في ذلك النور إذ غدا* * * إلى نورهم سهم من الموت مقصد
فأصبح محمودا إلى اللَّه راجعا* * * يبكيه جفن المرسلات و يحمد
و أمست بلاد الحرم وحشا بقاعها* * * لغيبة ما كانت من الوحي تعهد
قفارا سوى معمورة اللحد ضافها* * * فقيد يبكيه بلاط و غرقد
و مسجده فالموحشات لفقده* * * خلاء له فيها [١] مقام و مقعد
و بالجمرة الكبرى له ثم أوحشت* * * ديار و عرصات و ربع و مولد
فبكى رسول اللَّه يا عين عبرة* * * و لا أعرفنك الدهر دمعك يجمد
و مالك لا تبكين ذا النعمة التي* * * على الناس منها سابغ يتغمد
فجودي عليه بالدموع و أعولى* * * لفقد الّذي لا مثله الدهر يوجد
و ما فقد الماضون مثل محمد* * * و لا مثله حتى القيامة يفقد
أعف و أوفى ذمة بعد ذمة* * * و أقرب منه نائلا لا ينكد
و أبذل منه للطريف و تالد* * * إذا ضن معطاء بما كان يتلد
و أكرم حيا في البيوت إذا انتمى* * * و أكرم جدا أبطحيا يسود
و أمنع ذروات و أثبت في العلا* * * دعائم عز شاهقات تشيد
و أثبت فرعا في الفروع و منبتا [٢]* * * و عودا غذاه المزن فالعود أغيد
رباه وليدا فاستتم تمامه* * * على أكرم الخيرات رب ممجد
تناهت وصاة المسلمين بكفه* * * فلا العلم محبوس و لا الرأى يفند
أقول و لا يلفى لما قلت [٣] عائب* * * من الناس إلا عازب القول مبعد
و ليس هوائي نازعا عن ثنائه* * * لعلى به في جنة الخلد أخلد
مع المصطفى أرجو بذاك جواره* * * و في نيل ذاك اليوم أسعى و أجهد
و قال الحافظ أبو القاسم السهيليّ في آخر كتابه الروض: و قال أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب
[١] في ابن هشام: فيه.
[٢] في ابن هشام: و مثبتا.
[٣] في ابن هشام: يلقى لقولي.