البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٨ - ذكر ما كان من الحوادث بعد رجوعه (عليه السلام) إلى المدينة و منصرفه من تبوك
ثم هبطت البلاد لا بشر* * * أنت و لا نطفة و لا علق
بل نطفة تركب السفين و قد* * * ألجم نسرا و أهله الغرق
تنقل من صالب الى رحم* * * إذا مضى عالم بدا طبق
حتى احتوى بيتك المهيمن من* * * خندف علياء تحتها النطق
و أنت لمّا ولدت أشرقت الأرض* * * فضاءت بنورك الأفق
فنحن في ذلك الضياء و في* * * النور و سبل الرشاد نخترق
و رواه البيهقي من طريق اخرى عن أبى السكن زكريا بن يحيى الطائي و هو في جزء له مروى عنه. قال البيهقي و زاد ثم قال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) «هذه الحيرة البيضاء رفعت لي، و هذه الشيماء بنت نفيلة [١] الازدية على بغلة شهباء معتجرة بخمار أسود» فقلت يا رسول اللَّه إن نحن دخلنا الحيرة فوجدتها كما تصف فهي لي؟ قال «هي لك»
قال ثم كانت الردة فما ارتد أحد من طيِّئ و كنا نقاتل من يلينا من العرب على الإسلام فكنا نقاتل قيسا و فيها عيينة بن حصن، و كنا نقاتل بنى أسد و فيهم طلحة بن خويلد، و كان خالد بن الوليد يمدحنا، و كان فيما قال فينا:
جزى اللَّه عنا طيِّئا في ديارها* * * بمعترك الابطال خير جزاء
هموا أهل رايات السماحة و الندى* * * إذا ما الصبا ألوت بكل خباء
همو اضربوا قيسا على الدين بعد ما* * * أجابوا منادى ظلمة و عماء
قال ثم سار خالد إلى مسيلمة الكذاب فسرنا معه فلما فرغنا من مسيلمة أقبلنا إلى ناحية البصرة فلقينا هرمز بكاظمة في جيش هو أكبر من جمعنا، و لم يكن أحد [٢] من العجم أعدى للعرب و الإسلام من هرمز، فخرج اليه خالد و دعاه الى البراز فبرز له فقتله خالد و كتب بخبره الى الصديق فنفله سلبه فبلغت قلنسوة هرمز مائة ألف درهم و كانت الفرس إذا شرف فيها الرجل جعلت قلنسوته بمائة ألف درهم، قال ثم قفلنا على طريق الطف الى الحيرة فأول من تلقانا حين دخلناها الشيماء بنت نفيلة كما قال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) على بغلة شهباء معتجرة بخمار أسود، فتعلقت بها و قلت هذه وهبها لي رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم)، فدعاني خالد عليها بالبينة فأتيته بها، و كانت البينة محمد بن مسلمة و محمد بن بشير الأنصاري فسلمها الى، فنزل الىّ أخوها عبد المسيح يريد الصلح فقال بعنيها، فقلت لا أنقصها و اللَّه عن عشرة مائة درهم، فأعطاني ألف درهم و سلمتها اليه، فقيل لو قلت مائة ألف لدفعها إليك، فقلت ما كنت أحسب أن عددا أكثر من عشر مائة.
[١] في الأصل: بقيلة (بالباء) و التصحيح عن الاصابة.
[٢] في الحلبية: و لم يكن أحد من العرب و في التيمورية: من الناس.