البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٧٥ - ذكر ما أصاب المسلمين من المصيبة العظيمة بوفاته عليه الصلاة و السلام
فقربت اليه شرابا. فاما كان صائما و أما كان لا يريده فرده. فأقبلت على رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و آله و سلّم) تضاحكه.
فقال أبو بكر بعد وفاة النبي (صلّى اللَّه عليه و آله و سلّم) لعمر: انطلق بنا الى أم أيمن نزورها، فلما انتهينا اليها بكت. فقالا لها: ما يبكيك؟ ما عند اللَّه خير لرسوله قالت: و اللَّه ما أبكى أن لا أكون أعلم أن ما عند اللَّه خير لرسوله، و لكن أبكى أن الوحي انقطع من السماء فهيجتهما على البكاء فجعلا يبكيان. و رواه مسلم منفردا به عن زهير بن حرب عن عمرو بن عاصم به. و قال موسى بن عقبة في قصة وفاة رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و خطبة أبى بكر فيها. قال: و رجع الناس حين فرغ أبو بكر من الخطبة و أم أيمن قاعدة تبكى، فقيل لها ما يبكيك؟ قد أكرم اللَّه نبيه (صلّى اللَّه عليه و آله و سلّم) فأدخله جنته، و أراحه من نصب الدنيا. فقالت إنما أبكى على خبر السماء كان يأتينا غضا جديدا كل يوم و ليلة، فقد انقطع و رفع، فعليه أبكى.
فعجب الناس من قولها. و قد قال مسلم بن الحجاج في صحيحه و حدثت عن أبى اسامة.
و ممن روى ذلك عنه إبراهيم بن سعيد الجوهري ثنا أبو اسامة حدثني يزيد بن عبد اللَّه عن أبى بردة عن أبى موسى عن النبي (صلّى اللَّه عليه و آله و سلّم). قال: «إن اللَّه إذا أراد رحمة أمة من عباده قبض نبيها قبلها فجعله لها فرطا و سلفا يشهد لها، و إذا أراد هلكة أمة عذبها و نبيها حي فأهلكها و هو ينظر اليها فأقر عينه بهلكها حين كذبوه و عصوا أمره».
تفرد به مسلم اسنادا و متنا.
و قد قال الحافظ أبو بكر البزار: حدثنا يوسف ابن موسى ثنا عبد الحميد بن عبد العزيز بن أبى رواد عن سفيان عن عبد اللَّه بن السائب عن زاذان عن عبد اللَّه- هو ابن مسعود عن النبي (صلّى اللَّه عليه و آله و سلّم). قال: «إن للَّه ملائكة سياحين يبلغوني عن أمتى السلام».
قال و قال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و آله و سلّم): «حياتي خير لكم تحدثون و يحدث لكم، و وفاتي خير لكم تعرض عليّ أعمالكم، فما رأيت من خير حمدت اللَّه عليه، و ما رأيت من شر استغفرت اللَّه لكم».
ثم قال البزار لم نعرف آخره يروى عن عبد اللَّه إلا من هذا الوجه.
قلت: و أما أوله و هو
قوله (عليه السلام): «إن للَّه ملائكة سياحين يبلغوني عن أمتى السلام» فقد رواه النسائي من طرق متعددة عن سفيان الثوري و عن الأعمش كلاهما عن عبد اللَّه بن السائب عن أبيه به.
و قد قال الامام احمد حدثنا حسين بن على الجعفي عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر عن أبى الأسود الصنعاني عن أوس بن أوس. قال قال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و آله و سلّم): «من أفضل أيامكم يوم الجمعة، فيه خلق آدم، و فيه قبض، و فيه النفخة، و فيه الصعقة، فأكثروا عليّ من الصلاة فيه، فان صلاتكم معروضة عليّ». قالوا: يا رسول اللَّه كيف تعرض صلاتنا عليك و قد أرمت- يعنى قد بليت-. قال:
«إن اللَّه قد حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء (عليهم السلام)». و هكذا رواه أبو داود عن هارون بن عبد اللَّه و عن الحسن بن على، و النسائي عن إسحاق بن منصور ثلاثتهم عن حسين بن على به. و رواه ابن ماجة عن أبى بكر بن أبى شيبة عن حسين بن على عن جابر عن أبى الأشعث