البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٤٣ - فصل في كيفية احتضاره و وفاته (عليه السلام)
أم مكتوم في مؤخر المسجد يقرأ وَ ما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ الآية و الناس في المسجد يبكون و يموجون لا يسمعون فخرج عباس بن عبد المطلب على الناس. فقال: يا أيها الناس هل عند أحد منكم من عهد من رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) في وفاته فليحدثنا. قالوا: لا! قال:
هل عندك يا عمر من علم؟ قال: لا! فقال العباس: اشهدوا أيها الناس أن أحدا لا يشهد على رسول اللَّه بعهد عهده اليه في وفاته و اللَّه الّذي لا إله إلا هو لقد ذاق رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) الموت. قال: و أقبل أبو بكر رضى اللَّه عنه من السنح على دابته حتى نزل بباب المسجد و أقبل مكروبا حزينا فاستأذن في بيت ابنته عائشة فأذنت له فدخل و رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) قد توفى على الفراش و النسوة حوله فخمرن وجوههن و استترن من أبى بكر إلا ما كان من عائشة فكشف عن رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فجثى عليه يقبله و يبكى و يقول: ليس ما يقوله ابن الخطاب شيئا توفى رسول اللَّه و الّذي نفسي بيده رحمة اللَّه عليك يا رسول اللَّه ما أطيبك حيا و ميتا ثم غشاه بالثوب ثم خرج سريعا إلى المسجد يتخطى رقاب الناس حتى أتى المنبر و جلس عمر حين رأى أبا بكر مقبلا إليه و قام أبو بكر إلى جانب المنبر و نادى الناس فجلسوا و أنصتوا فتشهد أبو بكر بما علمه من التشهد. و قال: إن اللَّه عز و جل نعى نبيه إلى نفسه و هو حىّ بين أظهركم و نعاكم إلى أنفسكم و هو الموت حتى لا يبقى منكم أحد إلا اللَّه عز و جل. قال تعالى وَ ما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ الآية فقال عمر: هذه الآية في القرآن؟ و اللَّه ما علمت أن هذه الآية أنزلت قبل اليوم و قد قال اللَّه تعالى لمحمد (صلّى اللَّه عليه و سلّم) إِنَّكَ مَيِّتٌ وَ إِنَّهُمْ مَيِّتُونَ و قال اللَّه تعالى كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ و قال تعالى كُلُّ مَنْ عَلَيْها فانٍ وَ يَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَ الْإِكْرامِ و قال كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ وَ إِنَّما تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ و قال:
إن اللَّه عمر محمدا (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و أبقاه حتى أقام دين اللَّه و أظهر أمر اللَّه و بلغ رسالة اللَّه و جاهد في سبيل اللَّه ثم توفاه اللَّه على ذلك و قد ترككم على الطريقة فلن يهلك هالك إلا من بعد البينة و الشفاء فمن كان اللَّه ربه فان اللَّه حي لا يموت و من كان يعبد محمدا و ينزله إلها فقد هلك إلهه. فاتقوا اللَّه أيها الناس و اعتصموا بدينكم و توكلوا على ربكم فان دين اللَّه قائم و إن كلمة اللَّه تامة و إن اللَّه ناصر من نصره و معز دينه و أن كتاب اللَّه بين أظهرنا و هو النور و الشفاء و به هدى اللَّه محمدا (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و فيه حلال اللَّه و حرامه و اللَّه لا نبالى من أجلب علينا من خلق اللَّه إن سيوف اللَّه لمسلولة [١] ما وضعناها بعد و لنجاهدنّ من خالفنا كما جاهدنا مع رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فلا يبغين أحد إلا على نفسه. ثم انصرف معه المهاجرون إلى رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فذكر الحديث في غسله و تكفينه و الصلاة عليه و دفنه. قلت كما سنذكره مفصلا بدلائله و شواهده إن شاء اللَّه تعالى. و ذكر الواقدي عن شيوخه. قالوا: و لما شك في موت النبي
[١] ان سيوفنا لمسلولة. عن ت.