البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٣٥ - ذكر أمره (عليه السلام) أبا بكر الصديق رضى اللَّه عنه أن يصلى بالصحابة أجمعين مع حضورهم كلهم و خروجه (عليه السلام) فصلى وراءه مقتديا به في بعض الصلوات على ما سنذكره و اماما له و لمن بعده من الصحابة
لأنها آخر صلاة صلاها لما ثبت أنه توفى ضحى يوم الاثنين. و هذا الّذي قاله البيهقي أخذه مسلما [١] من مغازي موسى بن عقبة فإنه كذلك ذكر. و كذا روى أبو الأسود عن عروة و ذلك ضعيف بل هذه آخر صلاة صلاها مع القوم كما تقدم تقييده في الرواية الأخرى و الحديث واحد فيحمل مطلقة على مقيده ثم لا يجوز أن تكون هذه صلاة الصبح من يوم الاثنين يوم الوفاة لأن تلك لم يصلها مع الجماعة بل في بيته لما به من الضعف (صلوات اللَّه و سلامه عليه) و الدليل على ذلك ما قال البخاري في صحيحه حدثنا أبو اليمان أنبأنا شعيب عن الزهري أخبرنى أنس بن مالك و كان تبع النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و خدمه و صحبه أن أبا بكر كان يصلى لهم في وجع النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) الّذي توفى فيه حتى إذا كان يوم الاثنين و هم صفوف في الصلاة فكشف النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) ستر الحجرة ينظر إلينا و هو قائم كأن وجهه ورقة مصحف تبسم يضحك فهممنا أن نفتتن من الفرح برؤية النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و نكص أبو بكر على عقبيه ليصل الصف و ظن أن النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) خارج الى الصلاة فأشار إلينا (صلّى اللَّه عليه و سلّم) أن أتموا صلاتكم و أرخى الستر و توفى من يومه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و قد رواه مسلم من حديث سفيان بن عيينة و صبيح بن كيسان و معمر عن الزهري عن أنس. ثم قال: البخاري ثنا أبو معمر ثنا عبد الوارث ثنا عبد العزيز عن أنس بن مالك. قال لم يخرج النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) ثلاثا فأقيمت الصلاة فذهب أبو بكر يتقدم فقال: نبي اللَّه عليكم بالحجاب فرفعه فلما وضح وجه النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) ما نظرنا منظرا كان اعجب إلينا من وجه النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) حين وضح لنا. فأومأ النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) بيده الى أبى بكر أن يتقدم و أرخى النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) الحجاب فلم يقدر عليه حتى مات (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و رواه مسلم من حديث عبد الصمد بن عبد الوارث عن أبيه به فهذا أوضح دليل على أنه (عليه السلام) لم يصل يوم الاثنين صلاة الصبح مع الناس، و أنه كان قد انقطع عنهم لم يخرج اليهم ثلاثا.
قلنا فعلى هذا يكون آخر صلاة صلاها معهم الظهر كما جاء مصرحا به في حديث عائشة المتقدم و يكون ذلك يوم الخميس لا يوم السبت و لا يوم الأحد كما حكاه البيهقي عن مغازي موسى بن عقبة و هو ضعيف، و لما قدمنا من خطبته بعدها و لانه انقطع عنهم يوم الجمعة، و السبت، و الأحد، و هذه ثلاثة أيام كوامل. و قال الزهري عن أبى بكر بن أبى سبرة. أن أبا بكر صلى بهم سبع عشرة صلاة. و قال غيره عشرين صلاة فاللَّه أعلم. ثم بدا لهم وجهه الكريم صبيحة يوم الاثنين فودعهم بنظرة كادوا يفتتنون بها ثم كان ذلك آخر عهد جمهورهم به و لسان حالهم يقول كما قال بعضهم:
و كنت أرى كالموت من بين ساعة* * * فكيف ببين كان موعده الحشر
[و العجب أن الحافظ البيهقي أورد هذا الحديث من هاتين الطريقين. ثم قال: ما حاصله فلعله (عليه السلام) احتجب عنهم في أول ركعة ثم خرج في الركعة الثانية فصلى خلف أبى بكر كما قال عروة
[١] في التيمورية: أخذه مسلم من إلخ.