البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٣٠ - فصل في الآيات و الأحاديث المنذرة بوفاة رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و كيف ابتدئ رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) بمرضه الّذي مات فيه
فقال: أصحاب رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) ألا تعجبون من هذا الشيخ أن ذكر رسول اللَّه رجلا صالحا خيره ربه بين البقاء في الدنيا و بين لقاء ربه فاختار لقاء ربه،
فكان أبو بكر أعلمهم بما قال رسول اللَّه. فقال أبو بكر بل نفديك بأموالنا و أبنائنا. فقال: رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) ما من الناس أحد أمن علينا في صحبته و ذات يده من ابن أبى قحافة، و لو كنت متخذا خليلا لاتخذت ابن أبى قحافة، و لكن ود و إخاء و إيمان و لكن ود و إخاء و إيمان.
مرتين و إن صاحبكم خليل اللَّه عز و جل. تفرد به احمد قالوا و صوابه أبو سعيد بن المعلى فاللَّه أعلم. و
قد روى الحافظ البيهقي من طريق إسحاق بن إبراهيم- هو ابن راهويه- ثنا زكريا بن عدي ثنا عبيد اللَّه بن عمرو الرقى عن زيد بن أبى أنيسة عن عمرو بن مرة عن عبد اللَّه بن الحارث حدثني جندب. أنه سمع رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) قبل أن يتوفى بخمس و هو يقول: قد كان لي منكم إخوة و أصدقاء و إني أبرأ الى كل خليل من خلته و لو كنت منخذا من أمتى خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا و إن ربى اتخذني خليلا كما اتخذ إبراهيم خليلا، و إن قوما ممن كان قبلكم يتخذون قبور أنبيائهم و صلحائهم مساجد فلا تتخذوا القبور مساجد فانى أنهاكم عن ذلك.
و قد رواه مسلم في صحيحه عن إسحاق بن راهويه بنحوه، و هذا اليوم الّذي كان قبل وفاته (عليه السلام) بخمسة أيام هو يوم الخميس الّذي ذكره ابن عباس فيما تقدم. و قد روينا هذه الخطبة من طريق ابن عباس.
قال: الحافظ البيهقي أنبأنا أبو الحسن على بن محمد المقرئ أنبأنا الحسن بن محمد بن إسحاق حدثنا يوسف بن يعقوب- هو ابن عوانة الأسفراييني [١]-. قال ثنا محمد بن أبى بكر ثنا وهب بن جرير ثنا أبى سمعت يعلى بن حكيم يحدث عن عكرمة عن ابن عباس. قال: خرج النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) في مرضه الّذي مات فيه عاصبا رأسه بخرقة، فصعد المنبر فحمد اللَّه و أثنى عليه. ثم قال: إنه ليس من الناس أحدا منّ على بنفسه و ماله من أبى بكر، و لو كنت متخذا من الناس خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا، و لكن خلة الإسلام أفضل، سدوا عنى كل خوخة في المسجد غير خوخة أبى بكر. رواه البخاري عن عبيد اللَّه بن محمد الجعفي عن وهب بن جرير بن حازم عن أبيه به.
و في
قوله (عليه السلام) سدوا عنى كل خوخة-
يعنى الأبواب الصغار- الى المسجد غير خوخة أبى بكر اشارة الى الخلافة أي ليخرج منها الى الصلاة بالمسلمين. و قد رواه البخاري أيضا من حديث عبد الرحمن بن سليمان بن حنظلة بن الغسيل عن عكرمة عن ابن عباس. أن رسول اللَّه خرج في مرضه الّذي مات فيه عاصبا رأسه بعصابة دسماء ملتحفا بملحفة على منكبيه فجلس على المنبر فذكر الخطبة، و ذكر فيها الوصاة بالأنصار الى أن. قال: فكان آخر مجلس جلس فيه رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) حتى قبض- يعنى آخر خطبة خطبها
[١] كذا في الأصل و الحافظ صاحب المستخرج هو يعقوب بن إسحاق و لعل هذا ابنه فتكون الصحة ابن أبى عوانة.