البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٢٩ - فصل في الآيات و الأحاديث المنذرة بوفاة رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و كيف ابتدئ رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) بمرضه الّذي مات فيه
عبد الجبار عن يونس بن بكير عن محمد بن إسحاق عن الزهري عن أيوب بن بشير. أن رسول اللَّه قال في مرضه: أفيضوا عليّ من سبع قرب من سبع آبار شتى حتى أخرج فأعهد الى الناس. ففعلوا فخرج فجلس على المنبر فكان أول ما ذكر بعد حمد اللَّه و الثناء عليه ذكر أصحاب أحد فاستغفر لهم و دعا لهم. ثم قال: يا معشر المهاجرين إنكم أصبحتم تزيدون و الأنصار على هيئتها لا تزيد و إنهم عيبتي التي أويت اليها، فأكرموا كريمهم و تجاوزوا عن مسيئهم. ثم قال (عليه السلام): أيها الناس إن عبدا من عباد اللَّه قد خيره اللَّه بين الدنيا و بين ما عند اللَّه فاختار ما عند اللَّه، ففهمها أبو بكر رضى اللَّه عنه من بين الناس فبكى. و قال: بل نحن نفديك بأنفسنا و أبنائنا و أموالنا. فقال: رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) على رسلك يا أبا بكر! انظروا إلى هذه الأبواب الشارعة في المسجد فسدوها إلا ما كان من بيت أبى بكر فانى لا أعلم أحدا عندي أفضل في الصحبة منه.
هذا مرسل له شواهد كثيرة.
و قال الواقدي حدثني فروة بن زبيد بن طوسا عن عائشة بنت سعد عن أم ذرة عن أم سلمة زوج النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم). قالت: خرج رسول اللَّه عاصبا رأسه بخرقة فلما استوى على المنبر تحدق الناس بالمنبر- و استكفوا. فقال: و الّذي نفسي بيده إني لقائم على الحوض الساعة ثم تشهد فلما قضى تشهده كان أول ما تكلم به أن أستغفر للشهداء الذين قتلوا بأحد. ثم قال: إن عبدا من عباد اللَّه خير بين الدنيا و بين ما عند اللَّه فاختار العبد ما عند اللَّه، فبكى أبو بكر فعجبنا لبكائه. و قال: بأبي و أمى نفديك بآبائنا و أمهاتنا و أنفسنا و أموالنا. فكان رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) هو المخير و كان أبو بكر أعلمنا برسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم). و جعل رسول اللَّه يقول له: على رسلك!
و قال الامام احمد حدثنا أبو عامر ثنا فليح عن سالم أبى النضر عن بشر بن سعيد عن أبى سعيد. قال خطب رسول اللَّه الناس فقال: إن اللَّه خير عبدا بين الدنيا و بين ما عنده فاختار ذلك العبد ما عند اللَّه. قال: فبكى أبو بكر. قال فعجبنا لبكائه أن يخبر رسول اللَّه عن عبد، فكان رسول اللَّه هو المخير و كان أبو بكر أعلمنا به.
فقال: رسول اللَّه إن أمن الناس عليّ في صحبته و ماله أبو بكر، لو كنت متخذا خليلا غير ربى لاتخذت أبا بكر خليلا، و لكن خلة الإسلام و مودته لا يبقى في المسجد باب إلا سد إلا باب أبى بكر.
و هكذا رواه البخاري من حديث أبى عامر العقدي به. ثم رواه الامام احمد عن يونس عن فليح عن سالم أبى النضر عن عبيد بن حنين و بشر بن سعيد عن أبى سعيد به.
و هكذا رواه البخاري و مسلم من حديث فليح و مالك بن أنس عن سالم عن بشر بن سعيد و عبيد بن حنين كلاهما عن أبى سعيد بنحوه. و قال الامام احمد حدثنا أبو الوليد ثنا هشام ثنا أبو عوانة عن عبد الملك عن ابن أبى المعلى عن أبيه. أن رسول اللَّه خطب يوما فقال: إن رجلا خيره ربه بين أن يعيش في الدنيا ما شاء أن يعيش فيها يأكل من الدنيا ما شاء أن يأكل منها، و بين لقاء ربه فاختار لقاء ربه فبكى أبو بكر.