البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٦٧ - فصل
أمرى ما استدبرت لما سقت الهدى و لجعلتها عمرة. أي لو أعلم أن هذا ليشق عليكم لكنت تركت سوق الهدى حتى أحل كما أحللتم و من ها هنا تتضح الدلالة على أفضلية التمتع كما ذهب اليه الامام احمد أخذا من هذا فإنه قال: لا أشك أن رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) كان قارنا و لكن التمتع أفضل لتأسفه عليه و جوابه أنه (عليه السلام) لم يتأسف على التمتع لكونه أفضل من القران في حق من ساق الهدى و إنما تأسف عليه لئلا يشق على أصحابه في بقائه على إحرامه و أمره لهم بالإحلال و لهذا و اللَّه أعلم لما تأمل الامام احمد هذا السر نص في رواية أخرى عنه على أن التمتع أفضل في حق من لم يسق الهدى لأمره (عليه السلام) من لم يسق الهدى من أصحابه بالتمتع و أن القران أفضل في حق من ساق الهدى كما اختار اللَّه عز و جل لنبيه (صلوات اللَّه و سلامه عليه) في حجة الوداع و أمره له بذلك كما تقدم و اللَّه أعلم.
فصل
ثم سار (صلوات اللَّه و سلامه عليه) بعد فراغه من طوافه بين الصفا و المروة و أمره بالفسخ لمن لم يسق الهدى و الناس معه حتى نزل بالأبطح شرقى مكة فأقام لك بقية يوم الأحد و يوم الاثنين و الثلاثاء و الأربعاء حتى صلى الصبح من يوم الخميس كل ذلك يصلى بأصحابه لك و لم يعد الى الكعبة من تلك الأيام كلها قال البخاري: باب من لم يقرب الكعبة و لم يطف حتى يخرج الى عرفة و يرجع بعد الطواف الأول حدثنا محمد بن أبى بكر ثنا فضيل بن سليمان ثنا موسى بن عقبة قال أخبرنى كريب عن عبد اللَّه بن عباس قال: قدم النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) مكة فطاف سبعا و سعى بين الصفا و المروة و لم يقرب الكعبة بعد طوافه بها حتى رجع من عرفة انفرد به البخاري.
فصل
و قدم- في هذا الوقت و رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) منيخ بالبطحاء خارج مكة- عليّ من اليمن و كان النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) قد بعثه كما قدمنا الى اليمن أميرا بعد خالد بن الوليد رضى اللَّه عنهما فلما قدم وجد زوجته فاطمة بنت رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) قد حلت كما حل أزواج رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و الذين لم يسوقوا الهدى و اكتحلت و لبست ثيابا صبيغا
فقال من أمرك بهذا قالت أبى فذهب محرشا عليها الى رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و سلم فأخبره أنها حلت و لبست ثيابا صبيغا و اكتحلت و زعمت أنك أمرتها بذلك يا رسول اللَّه فقال صدقت صدقت صدقت. ثم قال له رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم): بم أهللت حين أوجبت الحج؟ قال:
بإهلال كإهلال النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم). قال: فان معى الهدى فلا تحل
فكان جماعة الهدى الّذي جاء به على من اليمن و الّذي أتى به رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) من المدينة و اشتراه في الطريق مائة من الإبل و اشتركا في