البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٦٤ - ذكر طوافه (عليه السلام) بين الصفا و المروة
فلا نفعل. قال الحافظ البيهقي و قد رواه سفيان بن عيينة و سفيان الثوري و شعبة عن منصور فلم يذكر فيه السعي. قال و أبو نصر هذا مجهول و إن صح فيحتمل أنه أراد طواف القدوم و طواف الزيارة قال و قد روى بأسانيد أخر عن على مرفوعا و موقوفا و مدارها على الحسن بن عمارة و حفص ابن أبى داود و عيسى بن عبد اللَّه و حماد بن عبد الرحمن و كلهم ضعيف لا يحتج بشيء مما رووه في ذلك و اللَّه اعلم. قلت و المنقول في الأحاديث الصحاح خلاف ذلك فقد قدمنا عن ابن عمر في صحيح البخاري أنه أهل بعمرة و أدخل عليها الحج فصار قارنا و طاف لهما طوافا واحدا بين الحج و العمرة و قال هكذا فعل رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم).
و قد روى الترمذي و ابن ماجة و البيهقي من حديث الدراوَرْديّ عن عبيد اللَّه عن نافع عن ابن عمر. قال قال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم): من جمع بين الحج و العمرة طاف لهما طوافا واحدا و سعى لهما سعيا واحدا.
قال الترمذي و هذا حديث حسن غريب. قلت اسناده على شرط مسلم. و هكذا جرى لعائشة أم المؤمنين فإنّها كانت ممن أهل بعمرة لعدم سوق الهدى معها فلما حاضت أمرها رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) أن تغتسل و تهل بحج مع عمرتها فصارت قارنة فلما رجعوا من منى طلبت أن يعمرها من بعد الحج فأعمرها تطييبا لقلبها كما جاء مصرحا به في الحديث.
و قد قال الامام أبو عبد اللَّه الشافعيّ أنبأنا مسلم- هو ابن خالد- الزنجي عن ابن جريج عن عطاء أن رسول اللَّه قال لعائشة طوافك بالبيت و بين الصفا و المروة يكفيك لحجك و عمرتك.
و هذا ظاهره الإرسال و هو مسند في المعنى بدليل ما قال الشافعيّ أيضا أخبرنا ابن عيينة عن ابن أبى نجيح عن عطاء عن عائشة عن النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) قال الشافعيّ و ربما قال سفيان عن عطاء عن عائشة و ربما قال عن عطاء أن النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) قال لعائشة فذكره قال الحافظ البيهقي و رواه ابن أبى عمر عن سفيان بن عيينة موصولا. و قد رواه مسلم من حديث وهيب عن ابن طاوس عن ابن عباس عن أبيه عن عائشة بمثله. و روى مسلم من حديث ابن جريج أخبرنى أبو الزبير أنه سمع جابرا يقول دخل رسول اللَّه على عائشة و هي تبكى فقال مالك تبكين قالت أبكى إن الناس حلوا و لم أحل و طافوا بالبيت و لم أطف و هذا الحج قد حضر قال إن هذا أمر قد كتبه اللَّه على بنات آدم فاغتسلي و أهلي بحج قالت ففعلت ذلك، فلما طهرت قال طوفي بالبيت و بين الصفا و المروة ثم قد حللت من حجك و عمرتك قالت يا رسول اللَّه انى أجد في نفسي من عمرتي أنى لم أكن طفت حتى حججت قال اذهب بها يا عبد الرحمن فأعمرها من التنعيم.
و له من حديث ابن جريج أيضا أخبرنى أبو الزبير سمعت جابرا قال لم يطف النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و أصحابه بين الصفا و المروة إلا طوافا واحدا، و عند أصحاب أبى حنيفة (رحمه اللَّه) أن النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و أصحابه الذين ساقوا الهدى كانوا قد قرنوا بين الحج و العمرة كما دل عليه الأحاديث المتقدمة و اللَّه اعلم.
و قال الشافعيّ أنبأنا إبراهيم بن محمد عن جعفر بن محمد عن أبيه عن على قال في القارن يطوف طوافين