البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٦٣ - ذكر طوافه (عليه السلام) بين الصفا و المروة
أخبرنى عن الطواف بين الصفا و المروة راكبا أسنة هو فإن قومك يزعمون أنه سنة قال صدقوا و كذبوا. قلت: فما قولك صدقوا و كذبوا؟ قال إن رسول اللَّه كثر عليه الناس يقولون هذا محمد هذا محمد! حتى خرج العواتق من البيوت و كان رسول اللَّه لا يضرب الناس بين يديه فلما كثر عليه الناس ركب. قال ابن عباس: و المشي و السعي أفضل. هذا لفظ مسلم و هو يقتضي أنه إنما ركب في أثناء الحال. و به يحصل الجمع بين الأحاديث و اللَّه اعلم. و أما ما رواه مسلم في صحيحه حيث قال ثنا محمد بن رافع ثنا يحيى بن آدم ثنا زهير عن عبد الملك بن سعيد عن أبى الطفيل قال قلت لابن عباس أرانى قد رأيت رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) قال فصفه لي قلت رأيته عند المروة على ناقة و قد كثر الناس عليه فقال ابن عباس ذاك رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) إنهم كانوا لا يضربون عنه و لا يكرهون. فقد تفرد به مسلم و ليس فيه دلالة على انه (عليه السلام) سعى بين الصفا و المروة راكبا إذ لم يقيد ذلك بحجة الوداع و لا غيرها و بتقدير أن يكون ذلك في حجة الوداع فمن الجائز أنه (عليه السلام) بعد فراغه من السعي و جلوسه على المروة و خطبته الناس و أمره إياهم من لم يسق الهدى منهم أن يفسخ الحج إلى العمرة فحل الناس كلهم إلا من ساق الهدى كما تقدم في حديث جابر. ثم بعد هذا كله أتى بناقته فركبها و سار إلى منزله بالأبطح كما سنذكره قريبا و حينئذ رآه أبو الطفيل عامر بن واثلة البكري و هو معدود في صغار الصحابة. قلت قد ذهب طائفة من العراقيين كأبى حنيفة و أصحابه و الثوري الى أن القارن يطوف طوافين و يسعى سعيين و هو مروى عن عليّ و ابن مسعود و مجاهد و الشعبي. و لهم أن يحتجوا بحديث جابر الطويل و دلالة على أنه سعى بين الصفا و المروة ماشيا و حديثه هذا أن النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) سعى بينهما راكبا على تعداد الطواف بينهما مرة ماشيا و مرة راكبا. و قد روى سعيد بن منصور في سند عن على رضى اللَّه عنه أنه أهل بحجة و عمرة فلما قدم مكة طاف بالبيت و بالصفا و المروة لعمرته ثم عاد فطاف بالبيت و بالصفا و المروة لحجته ثم أقام حراما إلى يوم النحر هذا لفظه. و رواه أبو ذر الهروي في مناسكه عن على أنه جمع بين الحج و العمرة فطاف لهما طوافين و سعى لهما سعيين و قال هكذا رأيت رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فعل. و كذلك رواه البيهقي و الدار قطنى و النسائي في خصائص على فقال البيهقي في سننه أنبأنا أبو بكر بن الحارث الفقيه أنبأنا على بن عمر الحافظ أنبأنا أبو محمد بن صاعد ثنا محمد بن زنبور ثنا فضيل بن عياض عن منصور عن إبراهيم عن مالك بن الحارث أو منصور عن مالك بن الحارث عن أبى نصر قال لقيت عليا و قد أهللت بالحج و أهل هو بالحج و العمرة فقلت هل أستطيع أن أفعل كما فعلت قال ذلك لو كنت بدأت بالعمرة قلت كيف أفعل إذا أردت ذلك؟ قال تأخذ إداوة من ماء فتفيضها عليك ثم تهل بهما جميعا ثم تطوف لهما طوافين و تسعى لهما سعيين و لا يحل لك حرام دون يوم النحر. قال منصور: فذكرت ذلك لمجاهد قال ما كنا نفىء الا بطواف واحد، فأما الآن