البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٦١ - ذكر طوافه (عليه السلام) بين الصفا و المروة
يحتمل شيئين أحدهما أنه رآه يسعى في وقت ماشيا لم يمزجه برمل فيه بالكلية، و الثاني أنه رآه يسعى في بعض الطريق و يمشى في بعضه، و هذا له قوة لأنه قد روى البخاري و مسلم من حديث عبيد اللَّه بن عمر العمرى عن نافع عن ابن عمر أن رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) كان يسعى بطن المسيل إذا طاف بين الصفا و المروة. و تقدم في حديث جابر أنه (عليه السلام): نزل من الصفا فلما انصبت قدماه في الوادي رمل حتى إذا صعد مشى حتى أتى المروة و هذا هو الّذي تستحبه العلماء قاطبة أن الساعي بين الصفا و المروة- و تقدم في حديث جابر- يستحب له أن يرمل في بطن الوادي في كل طوافه في بطن المسيل الّذي بينهما و حددوا ذلك بما بين الأميال الخضر فواحد مفرد من ناحية الصفا مما يلي المسجد و اثنان مجتمعان من ناحية المروة مما يلي المسجد أيضا. و قال بعض العلماء ما بين هذه الأميال اليوم أوسع من بطن المسيل الّذي رمل فيه رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فاللَّه اعلم: و أما قول محمد بن حزم في الكتاب الّذي جمعه في حجة الوداع ثم خرج (عليه السلام) إلى الصفا فقرأ إن الصفا و المروة من شعائر اللَّه، أبدأ بما بدأ اللَّه به فطاف بين الصفا و المروة أيضا سبعا راكبا على بعير يخب ثلاثا و يمشى أربعا فإنه لم يتابع على هذا القول و لم يتفوه به أحد قبله من أنه (عليه السلام) خب ثلاثة أشواط بين الصفا و المروة و مشى أربعا ثم مع هذا الغلط الفاحش لم يذكر عليه دليلا بالكلية بل لما انتهى إلى موضع الاستدلال عليه قال و لم نجد عدد الرمل بين الصفا و المروة منصوصا و لكنه متفق عليه هذا لفظه. فان أراد بأن الرمل في الثلاث التطوافات الأول على ما ذكر متفق عليه فليس بصحيح بل لم يقله أحد، و ان أراد أن الرمل في الثلاث الأول في الجملة متفق عليه فلا يجدي له شيئا و لا يحصل له شيئا مقصودا، فإنهم كما اتفقوا على الرمل في الثلاث الأول في بعضها على ما ذكرناه كذلك اتفقوا على استحبابه في الأربع الأخر أيضا. فتخصيص ابن حزم الثلاث الأول باستحباب الرمل فيها مخالف لما ذكره العلماء و اللَّه اعلم. و أما قول ابن حزم انه (عليه السلام) كان راكبا بين الصفا و المروة فقد تقدم عن ابن عمر أن رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) كان يسعى بطن المسيل أخرجاه و للترمذي عنه إن أسعى فقد رأيت رسول اللَّه يسعى و إن مشيت فقد رأيت رسول اللَّه يمشى. و قال جابر: فلما انصبت قدماه في الوادي رمل حتى إذا صعد مشى رواه مسلم. و قالت حبيبة بنت أبى مجزأة يسعى يدور به إزاره من شدة السعي رواه احمد. و في صحيح مسلم عن جابر كما تقدم أنه رقى على الصفا حتى رأى البيت.
و كذلك على المروة. و قد قدمنا من حديث محمد بن إسحاق عن أبى جعفر الباقر عن جابر أن رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) أناخ بعيره على باب المسجد يعنى حتى طاف ثم لم يذكر أنه ركبه حال ما خرج الى الصفا و هذا كله مما يقتضي أنه (عليه السلام) سعى بين الصفا و المروة ماشيا و لكن قال مسلم ثنا عبد بن حميد ثنا محمد- يعنى ابن بكر- انا ابن جريج أخبرنى أبو الزبير أنه سمع جابر بن عبد اللَّه يقول طاف