البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٤٨ - فصل
و قصروا إلا النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و من كان معه هدى فلما كان يوم التروية توجهوا الى منى فأهلوا بالحج و ركب رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فصلى بها الظهر و العصر و المغرب و العشاء و الفجر ثم مكث قليلا حتى طلعت الشمس و أمر بقبة له من شعر فضربت له بنمرة فسار رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و لا تشك قريش إلا أنه واقف عند المشعر الحرام كما كانت قريش تصنع في الجاهلية فأجاز رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) حتى أتى عرفة فوجد القبة قد ضربت له بنمرة فنزل بها حتى إذا زاغت الشمس أمر بالقصواء فرحلت له فأتى بطن الوادي فخطب الناس. و قال: إن دماءكم و أموالكم حرام عليكم كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا ألا كل شيء من أمر الجاهلية تحت قدمي موضوع و دماء الجاهلية موضوعة و ان أول دم أضع من دمائنا دم ابن [١] ربيعة بن الحارث كان مسترضعا في بنى سعد فقتلته هذيل. و رباء الجاهلية موضوع و أول ربا أضعه من ربانا ربا العباس بن عبد المطلب فإنه موضوع كله و اتقوا اللَّه في النساء فإنكم أخذتموهن بأمانة اللَّه و استحللتم فروجهن بكلمة اللَّه و لكم عليهم أن لا يوطئن فرشكم أحدا تكرهونه فان فعلن ذلك فاضربوهن ضربا غير مبرح و لهن عليكم رزقهن و كسوتهن بالمعروف و قد تركت فيكم ما لم تضلوا بعده ان اعتصمتم به كتاب اللَّه و أنتم تسألون عنى فما أنتم قائلون قالوا نشهد أنك قد بلغت و نصحت و أديت. فقال بإصبعه السبابة يرفعها الى السماء و ينكتها الى الناس [٢] اللَّهمّ اشهد اللَّهمّ اشهد ثلاث مرات. ثم أذن ثم أقام فصلى الظهر ثم أقام فصلى العصر و لم يصل بينهما شيئا ثم ركب رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) حتى أتى الموقف فجعل بطن ناقته القصوى الى الصخرات و جعل جبل المشاة بين يديه و استقبل القبلة فلم يزل واقفا حتى غربت الشمس و ذهبت الصفرة قليلا حتى غاب القرص و أردف اسامة بن زيد خلفه و دفع رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و قد شنق القصواء الزمام حتى أن رأسها لتصيب مورك رجله و يقول بيده اليمنى. أيها الناس السكينة السكينة. كلما أتى جبلا من الجبال أرخى لها قليلا حتى تصعد حتى أتى المزدلفة فصلى بها المغرب و العشاء بأذان و إقامتين و لم يسبح بينهما شيئا ثم اضطجع رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) حتى طلع الفجر فصلى الفجر حتى تبين له الصبح بأذان و اقامة ثم ركب القصواء حتى أتى المشعر الحرام فاستقبل القبلة فدعا فحمد اللَّه و كبره و هلله و وحده فلم يزل واقفا حتى أسفر جدا و دفع قبل أن تطلع الشمس و أردف الفضل بن العباس و كان رجلا حسن الشعر أبيض وسيما فلما دفع رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) مرت ظعن يجرين فطفق الفضل ينظر إليهن فوضع رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) يده على وجه الفضل فحول الفضل يده الى الشق الآخر فحول رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) يده من الشق الآخر على وجه الفضل فصرف وجهه من الشق الآخر ينظر حتى إذا أتى بطن محسر فحرك قليلا ثم سلك الطريق الوسطى التي تخرج على الجمرة الكبرى حتى أتى الجمرة التي عند الشجرة فرماها بسبع
[١] قال السهيليّ: اسمه آدم و قيل تمام.
[٢] في الأصل: و ملكها على الناس و نعكها و التصحيح عن أبى داود