البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٠٦ - باب بعث رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) على بن أبى طالب و خالد بن الوليد إلى اليمن قبل حجة الوداع
فقلت قدمت البارحة فرجع معى الى رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فدخل و قال هذا سعد بن مالك بن الشهيد.
فقال: ائذن له فدخلت فحييت رسول اللَّه و حيانى و أقبل على و سألني عن نفسي و أهلي و أحفى المسألة فقلت: يا رسول اللَّه ما لقينا من عليّ من الغلظة و سوء الصحبة و التضييق، فاتئد رسول اللَّه و جعلت أنا أعدد ما لفينا منه حتى إذا كنت في وسط كلامي ضرب رسول اللَّه على فخذي، و كنت منه قريبا و قال: «يا سعد بن مالك ابن الشهيد مه بعض قولك لأخيك على فو اللَّه لقد علمت أنه أحسن في سبيل اللَّه».
قال فقلت في نفسي ثكلتك أمك سعد بن مالك- ألا أرانى كنت فيما يكره منذ اليوم و لا أدرى لا جرم و اللَّه لا أذكره بسوء أبدا سرا و لا علانية. و هذا إسناد جيد على شرط النسائي و لم يروه أحد من أصحاب الكتب الستة.
و قد قال يونس عن محمد بن إسحاق حدثني يحيى بن عبد اللَّه ابن أبى عمر عن يزيد بن طلحة بن يزيد بن ركانة قال إنما وجد [١] جيش على بن طالب الذين كانوا معه باليمن لأنهم حين أقبلوا خلف عليهم رجلا و تعجل إلى رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) قال فعمد الرجل فكسى كل رجل حلة فلما دنوا خرج عليهم على يستلقيهم فإذا عليهم الحلل. قال على: ما هذا؟ قالوا كسانا فلان. قال فما دعاك إلى هذا قبل أن تقدم على رسول اللَّه
فيصنع ما شاء فنزع الحلل منهم فلما قدموا على رسول اللَّه اشتكوه لذلك و كانوا قد صالحوا رسول اللَّه، و إنما بعث عليا إلى جزية موضوعة.
قلت: هذا السياق أقرب من سياق البيهقي و ذلك أن عليا سبقهم لأجل الحج و ساق معه هديا و أهل بإهلال النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فأمره أن يمكث حراما و في رواية البراء بن عازب أنه قال له إني سقت الهدى و قرنت. و المقصود أن عليا لما كثر فيه القيل و القال من ذلك الجيش بسبب منعه إياهم استعمال إبل الصدقة و استرجاعه منهم الحلل التي أطلقها لهم نائبة و على معذور فيما فعل لكن اشتهر الكلام فيه في الحجيج. فلذلك و اللَّه أعلم لما رجع رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) من حجته و تفرغ من مناسكه و رجع إلى المدينة فمر بغدير خم قام في الناس خطيبا فبرأ ساحة عليّ و رفع من قدره و نبّه على فضله ليزيل ما وقر في نفوس كثير من الناس، و سيأتي هذا مفصلا في موضعه إن شاء اللَّه و به الثقة.
و قال البخاري: ثنا قتيبة ثنا عبد الواحد عن عمارة بن القعقاع بن شبرمة حدثني عبد الرحمن بن أبى نعم سمعت أبا سعيد الخدريّ يقول: بعث على بن أبى طالب إلى النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) من اليمن بذهيبة في أديم مقروظ لم تحصل [٢] من ترابها. قال فقسمها بين أربعة، بين عيينة بن بدر، و الأقرع بن حابس، و زيد الخيل، و الرابع إما علقمة بن علاثة و إما عامر بن الطفيل.
فقال رجل من أصحابه:
كنا نحن أحق بهذا من هؤلاء. فبلغ ذلك النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فقال: «ألا تأمنونى؟ و أنا أمين من في السماء يأتينى خبر السماء صباحا و مساء». قال فقام رجل غائر العينين مشرف الوجنتين ناشز الجبهة
[١] في التيمورية: وجّه و هو تصحيف و وجد هنا بمعنى غضب.
[٢] لم تحصل: أي لم تخلص.