فوائد الاُصول - الغروي النّائيني، الميرزا محمد حسين - الصفحة ٢٢٩ - (الأمر الثاني)
ثمّ لو أغمضنا عن ذلك كلّه، كان لنا التّفصّي عن الإشكالات بوجه آخر يختصّ بالوضوء و الغسل فقط، و لا يجري في التّيمم. و حاصل ذلك الوجه، هو انّ الوضوء و الغسل لهما جهة محبوبيّة ذاتيّة و مطلوبيّة نفسيّة أوجبت استحبابهما قبل الوقت، و عروض الوجوب لهما بعد الوقت لا ينافى بقاء تلك الجهة و ان قربت بعد الوقت و حصلت لها شدّة أوجبت الوجوب.
و الحاصل: انّ عروض ملاك الوجوب على ملاك الاستحباب لا يوجب انعدام الملاك الاستحبابي، و حدوث ملاك آخر للوجوب، بل غايته تبدّل الاستحباب بالوجوب و فوات الرّخصة من التّرك الّتي كانت قبل الوقت، مع اندكاك الملاك الاستحبابيّ في الملاك الوجوبيّ، نظير اندكاك السّواد الضّعيف في السّواد الشّديد.
و لكن لا يخفى عليك، انّ ما ذكرناه من تبدّل الاستحباب بالوجوب، فانّما هو بالنّسبة إلى الوجوب النّفسيّ الثّابت للوضوء بعد الوقت، لا الوجوب الغيريّ له، فانّ التّبدل بالوجوب الغيري لا يعقل لاختلاف المتعلّق.
و لا بأس بالإشارة إلى ضابط تبدّل الأحكام بعضها مع بعض، ليتّضح المقصود في المقام.
فنقول:
ضابط التبدّل هو ان يتعلّق الوجوب بعين ما تعلّق به الاستحباب، كما لو نذر صلاة اللّيل، فانّ الأمر الاستحبابي انّما تعلّق بذات صلاة اللّيل لا بما انّها مستحبّة، و النّذر أيضا انّما يتعلّق بالذات، إذ لا يمكن ان يتعلق النّذر بصلاة اللّيل بوصف كونها مستحبّة، لأنّها بالنّذر يصير واجبة فلا يمكنه إتيانها بوصف الاستحباب، فلا بدّ ان يتعلّق النّذر بالذّات، فيكون الأمر الوجوبيّ الجائي من قبل النّذر متعلّقا بعين ما تعلّق به الأمر الاستحبابي، فيتبدّل الأمر الاستحبابيّ بالأمر الوجوبيّ، و يكتسب الأمر الوجوبيّ التّعبديّة، كما اكتسب الأمر الاستحبابيّ الوجوب، فانّ الأمر النّذريّ و ان كان توصّليّا، إلّا انّه لمّا تعلّق بموضوع عباديّ اكتسب التّعبديّة، فتأمل.