فوائد الاُصول - الغروي النّائيني، الميرزا محمد حسين - الصفحة ٢٢٨ - (الأمر الثاني)
و لكن لا يذهب عليك، ان هذه الإشكالات كلّها مبنيّة على انّ جهة عباديّة الوضوء انّما تكون من ناحية امره الغيري، و هو بمعزل عن التّحقيق، بل الوضوء انّما يكتسب العباديّة من ناحية الأمر النفسيّ المتوجّه إلى الصّلاة بما لها من الأجزاء و الشّرائط، بداهة انّ نسبة الوضوء إلى الصّلاة كنسبة الفاتحة إليها من الجهة الّتي نحن فيها، حيث انّ الوضوء قد اكتسب حصّة من الأمر بالصّلاة لمكان قيديّته لها، كاكتساب الفاتحة حصّتها من الأمر الصّلاتي لمكان جزئيّتها، فكما انّ الفاتحة اكتسبت العباديّة من الأمر الصّلاتي، كذلك الوضوء اكتسب العباديّة من الأمر الصّلاتي بعد ما كان الأمر الصّلاتي عباديّا، و كذا الحال في الغسل و التّيمم.
فان قلت: نسبة الوضوء إلى الصّلاة كنسبة السّتر و الاستقبال إليها، فكيف اكتسب الوضوء العباديّة، و لم يكتسب السّتر و الاستقبال العباديّة؟
قلت: التّفاوت بين الطّهارات الثّلث و غيرها من القيود الّتي لا يعتبر إيقاعها على وجه العباديّة، انّما هو من ناحية الملاك، حيث ان الملاك الّذي اقتضى قيديّة الوضوء للصّلاة اقتضاه على هذا الوجه، أي وقوعه على وجه العباديّة، بخلاف ملاكات سائر الشّروط، حيث لم تقتضي ذلك.
و الحاصل: انّ عباديّة الأمر الصّلاتي انّما يكون بمتمّم الجعل، على ما تقدّم تفصيله، و ذلك المتمّم انّما اقتضى عباديّة الأمر بالنّسبة إلى خصوص الأجزاء و الطّهارات الثّلث، دون غيرها من الشّرائط، و لا منافاة في ذلك بعد ما كان استكشاف العباديّة بأمر آخر اصطلحنا عليه بمتمّم الجعل.
فتحصّل: انّ الوضوء انّما اكتسب العباديّة من الأمر الصّلاتي، و الأمر الغيري بالوضوء على القول به انّما يكون متأخرا عن الأمر الصّلاتي الّذي أخذ الوضوء حصّة منه، فالأمر الغيري لا يكون له جهة العباديّة، حتّى يستشكل بأنّ الأوامر الغيريّة توصّليّة، و كذا عباديّة الوضوء لا يتوقّف على الأمر الغيريّ، و ان كان الأمر الغيري متوقّفا عليها، فلا دور.
و امّا مسألة الثّواب فقد عرفت الوجه فيها في الأمر المتقدّم، فترتفع الإشكالات بحذافيرها.