فوائد الاُصول - الغروي النّائيني، الميرزا محمد حسين - الصفحة ٣٨٨ - الجهة الثالثة
المتضادين في الزّمان مع اختلافهما بالرتبة، إذ ليس عدم جواز اجتماع الحكمين المتضادّين ممّا قام عليه دليل لفظيّ، حتى نتمسّك بإطلاقه و نقول: لا يكفى اختلاف الرّتبة بل الحكم في المقام عقليّ و العقل لا يمنع عن الاجتماع مع الاختلاف بالرتبة.
إذ امتناع اجتماع الضّدين انّما هو لمكان انّه يرجع إلى اجتماع النّقيضين، و يعتبر في النّقيضين الممتنعي الجمع وحدة الرتبة.
فتحصل: انّه لا مانع من كون المقدّمة محكوما بحكمين متضادّين، مع كونهما مختلفي الرّتبة.
نعم: يبقى إشكال استلزام الأمر التّرتبي في المقام للشّرط المتأخّر الّذي لم يقم عليه دليل بالخصوص. و لكن هذا الأشكال أيضا مندفع بأنّ الشّرط المتأخّر في المقام ممّا يحكم به العقل و يستقلّ به، بعد ما بيّنا سابقا: من إباء الذّوق و الاعتبار عن اتّصاف المقدّمة بالمطلوبيّة مط على أيّ وجه اتّفقت و لو كان التّصرف في أرض الغير مثلا لأجل التّنزه و التّفرج، و بعد ما بيّناه من انّ الأمر بالمقدّمة واقع في رتبة الوصول إلى ذيها، لا في رتبة اليأس عنه، و بعد ما كان كلّ مقدّمة منقسمة في حدّ ذاتها إلى ما يتعقّبها وجود ذي المقدّمة و ما لا يتعقّبها، فانّ هذه الأمور توجب استقلال العقل باعتبار الشّرط المتأخّر، فهو ممّا قام عليه دليل بالخصوص، غايته انّه ليس شرعيّا بل عقليّا.
و الحاصل: انّه لا يختصّ اعتبار الشّرط المتأخّر بمعنى التعقب بباب القدرة، بل يجري في المقام أيضا، لأنّ صريح العقل و الوجدان حاكم باعتبار الشّرط المتأخّر (بمعنى التّعقب) بعد ما كان الوجدان شاهدا على عدم وقوع المقدّمة على صفة المطلوبيّة كيف ما اتّفقت. و هذا الوجدان هو الّذي أوجب الشّرط المتأخّر، و أوجب الأمر التّرتبي. فليس اعتبار الشرط المتأخر في المقام من جهة اقتضاء الأمر التّرتبي ذلك، حتى يقال: انّه لم يقم دليل بالخصوص في المقام على الأمر التّرتّبي ليقتضي بدلالة الاقتضاء اعتبار الشّرط المتأخّر، بل الموجب للذّهاب إلى الأمر الترتبي في المقام هو الموجب لاعتبار الشّرط المتأخّر فيه، و هو تلك المقدّمات العقليّة فلا تغفل.