فوائد الاُصول - الغروي النّائيني، الميرزا محمد حسين - الصفحة ٣٨ - الأمر الثاني
لا يكاد توجد حقيقة المخاطبة و النّداء بدون ذلك، فواقعيّة هذا المعنى و هويّته تتوقّف على الاستعمال، و به يكون قوامه. و هذا بخلاف معنى زيد، فانّ له نحو تقرّر و ثبوت في وعاء التّصور مع قطع النّظر عن الاستعمال، و من هنا صار استعماله موجبا لإخطار معناه، بخلاف معنى ياء النّداء و كاف الخطاب، فانّه ليس له نحو تقرّر و ثبوت مع قطع النّظر عن الاستعمال. نعم مفهوم النّداء و مفهوم الخطاب له تقرّر في وعاء العقل، إلّا انّه لم توضع لفظة يا و كاف الخطاب بإزائه بل الموضوع بإزاء ذلك المفهوم هو لفظة النّداء و لفظة الخطاب، لا لفظة يا و كاف الخطاب، بل هما وضعتا لإيجاد النّداء و الخطاب، و هذا في الجملة ممّا لا إشكال فيه. انّما الأشكال في انّ جميع معاني الحروف تكون إيجاديّة أولا. ظاهر كلام المحقّق [١] صاحب الحاشية: هو اختصاص ذلك ببعض الحروف، و كأنّ منشأ توهّم الاختصاص، هو تخيّل انّ مثل (من) و (إلى) و (على) و (في) و غير ذلك من الحروف تكون معانيها إخطاريّة، حيث كان استعمالها موجبا لإخطار ما وقع في الخارج من نسبة الابتداء و الانتهاء، مثلا في قولك سرت من البصرة إلى الكوفة تكون لفظة (من) و (إلى) حاكية عمّا وقع في
______________________________
[١] هداية المسترشدين في شرح معالم الدين. الفائدة الثانية من الفوائد التي وضعها في تتمة مباحث الألفاظ. ص ٢٢ و إليك نصّ ما أفاده قدس سره في هذا المقام:
«الثانية: الغالب في أوضاع الألفاظ ان تكون بإزاء المعاني الّتي يستعمل اللفظ فيها، كما هو الحال في معظم الألفاظ الدائرة في اللغات، و حينئذ فقد يكون ذلك المعنى امرا حاصلا في نفسه مع قطع النّظر عن اللفظ الدال عليه، فليس من شأن اللفظ إلّا إحضار ذلك المعنى ببال السامع، و قد يكون ذلك المعنى حاصلا بقصده من اللفظ من غير ان يحصل هناك معنى قبل أداء اللفظ، فيكون اللفظ آلة لإيجاد معناه و أداة لحصوله و يجري كل من القسمين في المركبات و المفردات.» إلى ان قال:
«و النوع الأوّل من المفردات معظم الألفاظ الموضوعة، فانها انّما تقضى بإحضار معانيها ببال السامع من غير ان تفيد إثبات تلك المعاني في الخارج فهي أعم من ان تكون ثابتة في الواقع أولا. و النوع الثاني منها كأسماء الإشارة و الأفعال الإنشائية بالنسبة إلى وضعها النسبي، و عدة من الحروف كحروف النداء و الحروف المشبّهة بالفعل و نحوها، فانّ كلا من الإشارة و النسبة الخاصّة و النداء و التأكيد حاصل من استعمال هذا، و اضرب، و يا، و انّ، في معاينها ...»