فوائد الاُصول - الغروي النّائيني، الميرزا محمد حسين - الصفحة ٣١٥ - تبصرة
لا يلزم منه ان يكون القدرة المعتبرة في جلّ التّكاليف شرعيّة حتّى ينافى تقسيم القدرة إلى شرعيّة و عقليّة و ترتيب ما يترتّب على هذا التّقسيم من الثّمرات كما سيأتي، و ذلك لأنّ مرادنا من القدرة الشّرعيّة ما أخذت في لسان الدّليل بحيث يستكشف منه انّ لها دخلا في ملاك الحكم و مناطه، كما في قوله[١] تعالى، للّه على الناس حجّ البيت من استطاع إليه سبيلا، حيث قيد الوجوب بالاستطاعة في نفس الدّليل، و أين هذا ممّا نقوله في المقام من اقتضاء كلّ خطاب القدرة على متعلّقه، فانّ ذلك لا يوجب ان تكون القدرة شرعيّة.
و حاصل الضّابط بين القدرة الّتي نسمّيها شرعيّة و القدرة الّتي نسمّيها عقليّة، هو انّه إذا أخذت القدرة في موضوع الخطاب المستكشف من ذلك مدخليّتها في ملاك الخطاب كانت القدرة حينئذ شرعيّة، سواء أخذت في موضوع الخطاب صريحا كما في آية الحجّ، أو كانت مستفادة من خطاب آخر كما في آية الوضوء- على ما سيأتي بيانه- و ان لم تؤخذ في موضوع الخطاب، بل كانت ممّا يقتضيه نفس الخطاب، امّا لمكان قبح مخاطبة العاجز عقلا، و امّا لمكان كون الخطاب هو البعث و التّحريك نحو المقدور- على ما بيّناه- كانت القدرة عقليّة، و سيأتي مزيد توضيح لذلك.
و على كلّ حال، فقد ظهر لك: انّه بناء على توقّف صحّة العبادة على الأمر بها يكون الحق مع البهائي من عدم الثّمرة في اقتضاء الأمر بالشّيء للنّهي عن ضده و عدم اقتضائه، إذ لا امر بالضّد على كلّ حال، فالعبادة لا تصح مطلقا، إلّا انّ الشّأن في أصل المبنى، لوضوح انّه لا يتوقّف صحّة العبادة على الأمر بها، بل يكفى في صحة العبادة اشتمالها على الملاك التّام، و ان لم يؤمر بها فعلا لمانع. و من هنا قلنا: يكفى قصد الجهة في العبادة و لا يحتاج إلى قصد امتثال الأمر، خلافا للمحكي عن صاحب الجواهر[٢] حيث اعتبر خصوص قصد امتثال الأمر في صحّة العبادة، و يلزمه القول ببطلان الضّد إذا كان عبادة. و لكنّ الإنصاف: انّ الالتزام بذلك
[١] آل عمران، الآية ٩٧.
[٢] قدم كلام صاحب الجواهر قدس سره في المقام في هامش ص ١٥٠