فوائد الاُصول - الغروي النّائيني، الميرزا محمد حسين - الصفحة ١٣٧ - الأمر الأول
غايته انّه في بعض المقامات قام الدّليل على عدم لزوم الانبعاث عن ذلك البعث، و في بعض المقامات لم يقم، فيكون المورد على ما هو عليه من حكم العقل بلزوم الانبعاث عن البعث.
فتحصل من جميع ما ذكرنا: انّ الوجوب لا يستفاد من نفس الصيغة وضعا أو انصرافا، بل انّما يستفاد منها بضميمة حكم العقل. و بتقريب آخر: الوجوب ليس معناه لغة إلّا الثّبوت، و منه قولهم: الواجب بالذّات و الواجب بالغير، فانّ معنى كونه واجبا بالذات، هو انّ ثبوته يكون لنفسه و لمكان اقتضاء ذاته لا لعلة خارجيّة تقتضي الثّبوت، و معنى كونه واجبا بالغير، هو ثبوت علّة وجوده، أي انّ علّة وجوده قد تمّت و ثبتت. هذا في الواجبات التّكوينيّة، و قس عليه الواجبات التّشريعيّة، فانّ معنى كون الشّيء واجبا شرعا هو ثبوت علّة وجوده في عالم التّشريع، و ليس علّة وجوده إلّا البعث، فالبعث يقتضى الوجود لو خلّى و طبعه و لم يقم دليل على انّ البعث لم يكن للتّرغيب الّذي هو معنى الاستحباب. و ليكن هذا معنى قولهم:
إطلاق الصّيغة يقتضى الوجوب، فتأمل في المقام جيّدا.
(الأمر السّادس)
في دلالة الصّيغة على التّعبديّة و التّوصّليّة اعلم: انّ البحث في ذلك يقع في مقامين:
المقام الأوّل: فيما يقتضيه الأصل اللّفظي المقام الثّاني: فيما يقتضيه الأصل العملي عند عدم الأصل اللّفظي،
و تنقيح البحث عن المقام الأوّل يستدعى تقديم أمور:
الأمر الأوّل:
في معنى التّعبديّة و التّوصّليّة امّا التّعبديّة: فهي عبارة عن الوظيفة الّتي شرعت لأجل ان يتعبّد بها العبد لربّه و يظهر عبوديّته، و هي المعبّر عنها بالفارسيّة (بپرستش) و معلوم: انّ أهل كلّ نحلة لهم افعال يظهرون بها عبوديّتهم، و يعبدون بها معبودهم حتّى عبدة الصّنم و الشّمس، فانّ لهم حركات خاصّة و أفعالا مخصوصة، بها يتذلّلون لمعبودهم، و يظهرون له العبوديّة. فالمراد من العبادة في شرعنا، هو ما