معتصم الشيعة في أحكام الشريعة - الفيض الكاشاني - الصفحة ٢٣٨ - مسألة حكم المشهور ببطلان صلاة من شكّ في عدد ركعات الصلاة الثنائيّة و الثلاثيّة و الأوليين من الرباعيّة أو لم يدر كم صلّى
[٢١٨]
[٣]
مسألة [حكم المشهور ببطلان صلاة من شكّ في عدد ركعات الصلاة الثنائيّة و الثلاثيّة و الأوليين من الرباعيّة أو لم يدر كم صلّى]
من شكّ في عدد ركعات الصلاة الواجبة الثنائيّة أو الثلاثيّة، أو الأوّلين من الرباعيّة، أو لم يدر كم صلّى مطلقاً، بطلت صلاته على المشهور بين الأصحاب. بل قال في المنتهى [١] أنّه قول علمائنا أجمع إلّا ابن بابويه [٢]؛ فإنّه
[١]. المنتهى، ج ٧، ص ١٩.
[٢]. قال في الفقيه (ج ١، ص ٣٥١، ذيل الحديث ١٠٢٤):
«هذه الأخبار ليست بمختلفة، و صاحب السهو بالخيار؛ بأيّهما أخذ فهو مصيب».
قال صاحب الحدائق (ج ٩، ص: ١٩٢):
«نقل الأصحاب من العلّامة فمن بعده عن الصدوق هنا أيضاً القول بجواز البناء على الأقل؛ قال العلّامة في المنتهى و الشهيد في الذكرى أنّه قول علمائنا أجمع إلّا أبا جعفر بابويه فإنّه قال: لو شكَ بين الركعة و الركعتين فله البناء على الأقل. و تناقل هذه العبارة عن الصدوق جملة من تأخّر عنهم كصاحب المدارك و غيره مع أنّا لم نقف عليها في كلامه، بل الموجود فيه ما يخالفها و يطابق القول المشهور».
و قال صاحب الجواهر (ج ١٢، ص ٣٢٨):
«لم أعرف أحداً نسب الخلاف فيه إلى أحد منّا قبل المنتهى؛ فحكى الإجماع عليه ممّن عدا أبي جعفر محمّد بن بابويه».
و قال صاحب مفتاح الكرامة (ج ٩، ص، ٣٢٢):
«و ما نسبوه إلى الصدوق من الخلاف إنّما فهموه منه في «الفقيه». .... و قال في «المقنع» و روي: «ابنِ على ركعة» و لم يتعرّض لذلكَ في الهداية. و أمّا «الفقيه» فقد أنكر الأستاذ دام ظلّه في «مصابيح الظلام» أنّه مخالف فيه».
قال المحقّق البهبهاني في مصابيح الظلام (ج ٩، ص ١٨٥):
«نسبة هذا الخلاف إليه لعلّه وهم، نشأ من عدم التدبّر فيما ذكره في «الفقيه»، و المتوهّم هو العلّامة، و تبعه الشهيد في «الذكرى» غفلة، لما عرفت من أنّ الصدوق قال في أماليه: إنّ من دين الإماميّة- بحيث يجب الإقرار به- أنّ من شكَ في الأوليين أو في المغرب أعاد، و من شكَ في الأخيرتين بنى على الأكثر و أتمّ ما ظنّ أنّه نقصه.
و مع ذلكَ قال في «الفقيه»: من سها في الركعتين الأوّلتين من كلّ صلاة فعليه الإعادة، و من شكَ في المغرب فعليه الإعادة، و من شكَ في الفجر فعليه الإعادة، و من شكَ في الجمعة فعليه الإعادة، و من شكَ في الثانية و الثالثة أو في الثالثة و الرابعة أخذ بالأكثر. إلى أن قال: و معنى الخبر الذي روي: «أنّ الفقيه لا يعيد الصلاة» إنّما هو في الثلاث و الأربع لا في الأوّلتين.
انظر! إلى ما فيه من التصريح و التوضيح و التأكيد، و دفع توهّم ما عسى أن يتوهّم متوهّم، ثمّ التأكيد بعد ذلكَ أيضا بقوله: لا في الأوّلتين. ثمّ شرع في ذكر سجدتي السهو و أحكامها، و في حكم الشك في أجزاء الصلاة و ما فيه من التطويل، و ذكر فيما بينها رواية عامر بن جذاعة ...، ثمّ قال: و ليست هذه الأخبار بمختلفة، و صاحب السهو بالخيار بأيّ خبر منها أخذ فهو مصيب.
قال: و روي عن إسحاق بن عمّار أنّه قال: قال الكاظم (عليه السلام): «إذا شككت فابن على اليقين»، قال: قلت: هذا أصل؟ قال: «نعم». ثمّ ذكر بعد ذلكَ بغير فصل يعتدّ به: «ليس في المغرب سهو، و لا في الفجر سهو، و لا في الركعتين الأوليين من كلّ صلاة سهو».
و لو كان رجع عمّا أسّس و مهّد و قرّر و أكّد أوّلا، فلا معنى لأن يذكر بعده بلا فصل يعتدّ به، هذه العبارة التي هي بعينها عين ما أسّس أوّلا، و جعل من دين الإماميّة إلى أن يجب الإقرار به، فكيف يكون يخالف بهذا النحو الشنيع في حكمين: حكمه ببطلان الصلاة في الأوليين و حكمه بالبناء على الأكثر، و غير ذلكَ ممّا ذكرنا في حكم الشك بين الأربع و الخمس.
مع أنّه لم يذكر ما يدلّ على الرجوع و البناء على تجويز البناء على الأقلّ مطلقاً لأنّه؛ لم يتعرّض إلّا لحكم من لا يدري اثنتين صلّى أم ثلاثا أم أربعا ليس إلّا، و لم يذكر الأخبار المختلفة إلّا للصورة المذكورة.
ثمّ قال: و ليست هذه الأخبار بمختلفة، و أنّ من أخذ بأيّ خبر من هذه الأخبار المذكورة فهو مصيب، و أين هذا ممّا توهّم؟ و بينهما بون بعيد و تفاوت في غاية الظهور. و قوله «هذه» في قوله: «و ليست هذه الأخبار بمختلفة» لا يجوز أن يكون إشارة إلّا إلى هذه الأخبار المذكورة المختلفة، إذ ليست أخبار مختلفة ذكرت سوى هذه، و هذه الأخبار لا ربط لها أصلا و رأسا بما توهّم، سيّما رواية علي بن أبي حمزة .... و يكون مراد الصدوق من ذكر رواية عليّ بن أبي حمزة إظهار كون الاحتمالات الكثيرة في شكَ واحد كثرة الشك أو في حكمها، في عدم الاعتداد به احتمالا.
و يكون الأخبار المختلفة التي ذكر أنّه بأيّ خبر منها أخذ فهو مصيب إنّما هي في الشك بين الواحدة و الثنتين و الثلاث و الأربع، الذي قال المعصوم (عليه السلام) فيه: «كلّ ذا؟» و قال الراوي: تلبّس عليه صلاته، و يكون الشك بين الثنتين و الثلاث و الأربع له حكم واحد لا غير، و هو ما في رواية أبي إبراهيم (عليه السلام).
و كيف كان لا ربط لما ذكره بما توهّموا، سيّما و أن يخرب جميع ما ذكره في «الأمالي» و ما ذكره في «الفقيه» أوّلا، و ما ذكره بعيد ذلكَ، بل عرفت أنّه لا معنى له و لا يجوز أصلا و رأسا.
فإن قلت: ليس ما ذكرت منشأ توهّمهم، بل ذكر رواية إسحاق منشأ توهّم العلّامة و من تبعه، لما ذكر في أوّل كتابه من أنّ كلّما ذكر فيه يحكم بصحّته و يفتي به، و يجعله حجّة بينه و بين ربّه.
قلت: كلام «المنتهى» صريح في جعل رواية سهل مذهب الصدوق، و مستنده في حكمه بالتخيير». انتهى كلام المحقّق البهبهاني؛ فتدبّر جيّداً.