عيون الحقائق الناظرة في تتميم الحدائق - آل عصفور، الشيخ حسين - الصفحة ٢٣٣ - الثامنة و العشرون إن الحنث يتحقق بالمخالفة اختيارا سواء كان بفعله أو فعل غيره
و قوله تعالى «آيَتُكَ أَلّٰا تُكَلِّمَ النّٰاسَ ثَلٰاثَةَ أَيّٰامٍ إِلّٰا رَمْزاً وَ اذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيراً وَ سَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَ الْإِبْكٰارِ» [١] فأمره بالتسبيح و ذكر ربه كثيرا مع قطع الكلام عنه، فكأن الظاهر من الآية كون المأمور به ترك كلام الناس لا مطلق الكلام كذكر الله و
قوله (صلى الله عليه و آله) «أفضل الكلام أربع سبحان الله و الحمد لله و لا إله إلا الله و الله أكبر» [٢]
و
«لا إله إلا الله كلمة ثقيلة في الميزان خفيفة على اللسان» [٣].
و هذا أقوى.
ثانيهما: أنه لا يحنث في الكلام بالكتابة و الإشارة لأنهما لا يسميان كلاما لغة و لا عرفا لصحة قولهم: ما كلمه و إنما كاتبه و أشار إليه، و لقوله تعالى «إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمٰنِ صَوْماً فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا. [٤] فَأَشٰارَتْ إِلَيْهِ» و لو كانت الإشارة كلاما لامتنعت منها.
و ذهب جماعة من علماء العامة إلى حصول الحنث بذلك لقوله تعالى «وَ مٰا كٰانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللّٰهُ إِلّٰا وَحْياً أَوْ مِنْ وَرٰاءِ حِجٰابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا» [٥] استثنى الرسالة من التكليم فيدخل الآخران بطريق أولى، و لاستثنائه في الآية السابقة الرمز من الكلام و هو حقيقة في المتصل، و لا فرق- على هذين التقديرين- بين إشارة الناطق و الأخرس، و إنما أقيمت إشارة الأخرس مقام النطق للضرورة كما تقدم في أحكام الأخرس.
الثامنة و العشرون: إن الحنث يتحقق بالمخالفة اختيارا سواء كان بفعله أو فعل غيره
، كما لو قال: لا أدخل بلدا فدخل هو بفعله أو قعد في سفينة فسارت به أو ركب دابة أو حمله إنسان، و لا يتحقق الحنث بالإكراه و لا مع النسيان و لا
[١] سورة آل عمران- آية ٤١.
[٢] صحيح البخاري ج ٨ ص ١٧٣ طبع بيروت.
[٣] لم نعثر عليه في مظانه.
[٤] سورة مريم- آية ٢٦- ٢٩.
[٥] سورة الشورى- آية ٥١.