عيون الحقائق الناظرة في تتميم الحدائق - آل عصفور، الشيخ حسين - الصفحة ٢١١ - الحادية عشرة لو قال لا أكلت من هذه الحنطة فطحنها دقيقا أو سويقا
و القول الثاني: بقاء الحنث، و هو مذهب القاضي ابن البراج، لأن الإشارة وقعت على العين و هي باقية، و لأن الحنطة إنما تؤكل كذلك غالبا فيكون بمنزلة أن يقول: لا آكل هذا الكبش فذبحه و أكله، و لأن الحقيقة النوعية لا تتبدل، و إنما المتغير بعض أوصافها، بخلاف ما لو صارت الحنطة حشيشا و البيض فرخا.
و كذا الحكم فيما لو قال: لا آكل من هذا الرطب فصار تمرا أو هذا البسر فصار رطبا أو العنب فصار زبيبا أو لا أشرب من هذا العصير فصار خلا. و قد ذكر أنه باحث شيخه في ذلك، و أورد عليه أن عين الحنطة باقية و إنما تغيرت بتقطيع الأجزاء الذي هو الطحن. فأجابه الشيخ بأن متعلق اليمين مسمى الحنطة و الدقيق لا يقال عليه هذا الاسم، فينتفي الحكم بانتفاء هذا الإطلاق كما أن الخبز لا يسمى دقيقا، فألزمه بأن من حلف أن لا يأكل هذا الخيار و التفاح ثمَّ قشره و قطعه و أكله لا يحنث، و لا شبهة في أنه يحنث. فالتزم بمثل ذلك في الخيار و التفاح و هو التزام رديء.
و الحق أن الخيار و التفاح لم يخرجا عن مسماهما بالتقطيع و لا حدث لهما اسم زائد على كونه خيارا مقطعا أو تفاحا مقطعا، بخلاف الحنطة المطحونة فإنها لا تسمى بعد الطحن حنطة لغة و لا عرفا إلا على طريق المجاز، و بهذا حصل الفرق بينهما، فأوجب الحنث في أكل الخيار المقطع و التفاح، بخلاف الدقيق.
و العلامة في المختلف بعد أن نقل كلام الشيخين و اعترض عليه و حقق المسألة بما حاصله يرجع إلى اختيار كلام القاضي في الحنطة و الدقيق، بخلاف الرطب إذا صار تمرا و العنب إذا صار زبيبا و نحو ذلك، و جعل الفرق إنما يحصل للأكل حالة اليمين على حالته التي هو عليها يتعلق التحريم به على حالة تؤكل كالحنطة و الدقيق فيحنث بأكلها خبزا.