تاريخ الأمم و الملوك - الطبري، ابن جرير - الصفحة ٦٥٣ - خبر استتمام بناء بغداد و تحول ابى جعفر إليها
في كل واحد سوق، فلم تزل على ذلك مده حتى قدم عليه بطريق من بطارقه الروم وافدا، فامر الربيع ان يطوف به في المدينة و ما حولها ليرى العمران و البناء، فطاف به الربيع، فلما انصرف قال: كيف رايت مدينتي- و قد كان اصعد الى سور المدينة و قباب الأبواب؟ قال: رايت بناء حسنا، الا انى قد رايت اعداءك معك في مدينتك، قال: و من هم؟ قال: السوقه، قال: فاضب عليها ابو جعفر، فلما انصرف البطريق امر باخراج السوق من المدينة، و تقدم الى ابراهيم بن حبيش الكوفى، و ضم اليه جواس بن المسيب اليماني مولاه، و امرهما ان يبنيا الاسواق ناحيه الكرخ، و يجعلاها صفوفا و بيوتا لكل صنف، و ان يدفعاها الى الناس فلما فعلا ذلك حول السوق من المدينة إليها، و وضع عليهم الغلة على قدر الذرع، فلما كثر الناس بنوا في مواضع من الاسواق لم يكن رغب في البناء فيها ابراهيم بن حبيش و جواس، لأنها لم تكن على تقديم الصفوف من أموالهم، فالزموا من الغلة اقل مما الزم الذين نزلوا في بناء السلطان.
و ذكر بعضهم ان السبب في نقل ابى جعفر التجار من المدينة الى الكرخ و ما قرب منها مما هو خارج المدينة، انه قيل لأبي جعفر: ان الغرباء و غيرهم يبيتون فيها، و لا يؤمن ان يكون فيهم جواسيس، و من يتعرف الاخبار، او ان يفتح أبواب المدينة ليلا لموضع السوق، فامر باخراج السوق من المدينة و جعلها للشرط و الحرس، و بنى للتجار بباب طاق الحراني و باب الشام و الكرخ.
و ذكر عن الفضل بن سليمان الهاشمى، عن ابيه، ان سبب نقله الاسواق من مدينه السلام و مدينه الشرقيه الى باب الكرخ و باب الشعير و باب المحول، ان رجلا كان يقال له ابو زكرياء يحيى بن عبد الله، ولاه المنصور حسبه بغداد و الاسواق سنه سبع و خمسين و مائه، و السوق في المدينة، و كان المنصور يتبع من خرج مع محمد و ابراهيم ابنى عبد الله بن حسن، و قد كان لهذا المحتسب معهم سبب، فجمع على المنصور جماعه استغواهم من السفله، فشغبوا و اجتمعوا، فأرسل المنصور اليهم أبا العباس الطوسى فسكنهم، و أخذ