تاريخ الأمم و الملوك - الطبري، ابن جرير - الصفحة ١٧٨ - ذكر الخبر عن غزوه نصر بن سيار ما وراء النهر
فقطب و كره ما قلت له و قال: انصرف الى منزلك، فانصرفت فاقمت يومين، و انا لا اشك في تركه الصلح، فدعاني فحملت كتاب الصلح مع غلامي، و قلت له: ان أتاك رسولي يطلب الكتاب فانصرف الى المنزل، و لا تظهر الكتاب، و قل لي: انى خلفت الكتاب في المنزل فدخلت عليه، فسألني عن الكتاب، فقلت: خلفته في المنزل فقال: ابعث من يجيئك به، فقبل الصلح، و احسن جائزتي، و سرح معى أمه، و كانت صاحبه امره قال: فقدمت على نصر، فلما نظر الى قال: ما مثلك الا كما قال الاول: فأرسل حكيما و لا توصه.
فاخبرته، فقال: وفقت، و اذن لامه عليه، و جعل يكلمها و الترجمان يعبر عنها، فدخل تميم بن نصر، فقال للترجمان: قل لها: تعرفين هذا؟
فقالت: لا، فقال: هذا تميم بن نصر، فقالت: و الله ما ارى له حلاوة الصغير، و لا نبل الكبير.
قال ابو إسحاق بن ربيعه: قالت لنصر: كل ملك لا يكون عنده سته أشياء فليس بملك: وزير يباثه بكتاب نفسه و ما شجر في صدره من الكلام، و يشاوره و يثق بنصيحته، و طباخ إذا لم يشته الطعام اتخذ له ما يشتهى، و زوجه إذا دخل عليها مغتما فنظر الى وجهها زال غمه، و حصن إذا فزع او جهد فزع اليه فانجاه- تعنى البرذون- و سيف إذا قارع الاقران لم يخش خيانته، و ذخيره إذا حملها فأين وقع بها.
من الارض عاش بها ثم دخل تميم بن نصر في الازفله و جماعه، فقالت: من هذا؟ قالوا:
هذا فتى خراسان، هذا تميم بن نصر، قالت: ما له نبل الكبار و لا حلاوة الصغار.
ثم دخل الحجاج بن قتيبة فقالت: من هذا؟ فقالوا: الحجاج بن قتيبة، قال: فحيته، و سالت عنه، و قالت: يا معشر العرب، ما لكم وفاء، لا يصلح بعضكم لبعض قتيبة الذى وطن لكم ما ارى، و هذا ابنه تقعده دونك! فحقك ان تجلسه هذا المجلس، و تجلس أنت مجلسه