تاج العروس من جواهر القاموس - المرتضى الزبيدي - الصفحة ٣٦٢ - كذب كذب
و قلِّةِ مالِهم. قلتُ: و على هذا فَسَّرُوا ١٦- حديث : « كَذَبَ النَّسّابُون». أَي: وجب الرُّجوعُ إِلى قولهم. و قد أَوْدَعْنَا بيانَه في «القَول النفيس في نَسبِ مولاي إِدريس».
و في لسان العرب، عن ابْنِ السِّكِّيتِ. تقول للرَّجُل إِذا أَمَرْتَهُ بشيْءٍ و أَغْرَيْتَهُ: كَذَبَ عليك كَذا و كَذا، أَي: عليك به، و هي كَلِمَةٌ نادِرة. قالَ: و أَنشد ابْنُ الأَعْرَابِيّ لخِداشِ بْنِ زُهَيْرٍ:
كَذَبْتُ عَلَيْكُم أَوْعِدُونِي و عَلِّلُوا # بِيَ الأَرْضَ و الأَقْوَام قِرْدَانَ مَوْظَبَا
أَي: عليكم بي [١] و بهجائي إِذا كنتم في سفر، و اقْطَعُوا بذكْرِي الأَرْضَ، و أَنْشِدُوا القوم هِجائي يا قِرْدَانَ مَوْظَب.
و ١٦- قال ابْنُ الأَثِيرِ في النِّهَايَةِ، و الزَّمَخْشَرِيُّ في الفائق: في الحديثِ «الحِجَامَةُ على الرِّيقِ فيها شِفاءٌ وَ بَرَكَة، فمن احْتَجَم فَيَوْمُ الأَحَدِ و الخَميس كَذَباك ، أَو يَوْمُ الاثْنَيْنِ و الثَّلاثاءِ». معنى كَذَباك : أَي عليك بهما. قال الزَّمَخْشَرِيُّ:
هََذه كلمةٌ جَرتْ مَجْرَى المَثَلِ في كلامهم، فلذََلك لم تَتصرّفْ، و لَزِمَتْ طريقةً واحدةً، في كونها فعلاً ماضياً مُعَلَّقاً بالمخاطَب وَحْدَهُ [٢] ، و هي في معنى الأَمر. ثُمَّ قالَ [٣] :
فمعنى قوله: كَذَباك ، أَي لِيَكْذِبَاك ، و لْيُنَشِّطاكَ وَ يَبْعَثاك على الفعْل. قلت: و قد تقدَّمَتِ الإِشارَةُ إِليه.
و نقل شيخُنا عن كتاب حلى العلاءِ في الأَدب، لعبد الدّائمِ بْنِ مَرزُوق القَيْرَوانِيّ: أَنّه يُرْوى «العَتِيقُ» بالرَّفْعِ و النَّصْب، و معناه: عليكَ العَتِيقَ و ماءَ شَنٍّ. و أَصْله:
كَذَبَ ذاكَ، عليكَ العَتِيقَ؛ ثم حُذِفَ عليك، و ناب كَذَبَ مَنابَهُ، فصارتِ العربُ تُغْرِي به. و قال الأَعلمُ في شرح مُخْتَار الشُّعراءِ السِّتَّةِ، عندَ كلامه على هََذا البيت: قوله كَذَبَ العَتِيقُ: أَي عليكَ بالتَّمْرِ: و العربُ تقول: كَذَبَكَ التَّمْرُ و اللَّبَنُ، أَي: عليك بهما. و أَصلُ الكَذِبِ الإِمكانُ.
و قولُ الرَّجُلِ: كَذَبْتَ ، أَي: أَمكَنْتَ من نَفْسِك و ضَعُفْتَ، فلهذا اتُّسِعَ فيه فأُغْرِيَ به؛ لِأَنّه متى أغْرِيَ بشَيْءٍ، فقد جُعِلالمُغْرَى به مُمْكناً مُستطاعاً إِنْ رامَهُ المُغْرَى. و قال الشّيخُ أَبو حَيّانَ في شرح التَّسْهيل، بعدَ نقلِ هََذا الكلام: و إِذَا نَصَبْتَ، بَقِيَ كَذَبَ بلا فاعل على ظاهر اللَّفظ. و الّذي تقتضيه القواعدُ أَنَّ هََذا يكونُ من باب الإِعمال، فكذَبَ ، يَطْلُبُ الاسْمَ على أَنَّه فاعلٌ، و عليكَ، يطلُبُه على أَنَّه مفعولٌ، فإِذا رفعنا الاسمَ بكَذَبَ ، كان مفعولُ عليك محذُوفاً، لفهم المعنى، و التّقْدِير: كَذَبَ عليكُم الحَجُّ، و إِنَّمَا التُزِمَ حَذفُ المفعول لِأَنّه مكانُ اختصار، و محرَّفٌ عن أَصل وَضْعِه، فجَرى لذََلك مَجْرَى الأَمثالِ في كَوْنها تُلْتَزَمُ فيها حالةٌ واحدةٌ، لا يُتَصَرَّفُ فيها. و إِذا نَصَبْتَ الاسْمَ، كان الفاعلُ مُضْمَراً في كَذَبَ ، يُفسّرُهُ ما بَعدَهُ، على رأْي سِيبَوَيْه، و محذوفاً، على رأْي الكِسائيّ، انتهى.
و من المَجَاز حَمَلَ عليه فما كَذَّبَ تَكْذِيباً ، أَي: ما انْثَنَى ما جَبُنَ ، و ما رَجَع. و كذََلك حَمَلَ فما هَلَّلَ، و حَمَلَ ثم كَذَّبَ ، أَي: لم يَصْدُقِ الحَمْلَةَ، قال زُهَيْرٌ:
لَيْثٌ بِعَثَّرَ يَصْطَادُ الرِّجَالَ إِذا # ما اللَّيْثُ كَذَّبَ عن أَقْرَانِه صَدَقا
و في الأَساس: معناه [٤] كَذَّبَ الظَّنَّ به، أَو جعل حَمْلَتَهُ كاذِبَةً .
و من المجاز أَيضاً: قولُهم: مَا كذَّبَ أَنْ فَعَلَ كَذَا تكذيباً ، أَي ما كَعَّ، و لا لَبِثَ ، و لا أَبْطَأَ و ١٧- في حديثِ الزُّبَيْرِ :
أَنَّهُ حَمَلَ يومَ اليَرْمُوكِ على الرُّوم، و قال لِلْمُسْلِمِينَ: «إِنْ شَدَدْتُ [٥] عليهم، فَلاَ تُكَذِّبُوا ». أَي، لا تَجْبُنُوا و تُوَلُّوا. قال شَمِرٌ: يُقَالُ للرَّجُل إِذا حَمَلَ، ثُمَّ وَلَّى، و لَمْ يَمْضِ: قَدْ كَذَّبَ عن قِرْنه تكذيباً ؛ و أَنشد بيتَ زُهَيْرٍ. و التَّكْذِيبُ في القِتَال ضِدُّ الصِّدْقِ فيه، يقال: صَدَقَ القِتالَ، إِذا بَذَلَ فيه الجِدَّ، و كَذَّبَ : إِذا جَبُنَ؛ و حَمْلَةٌ كاذِبَةٌ : كما قالُوا في ضِدِّها: صادِقَة، و هي المصدُوقَةُ و المكذُوبَة في الحَمْلة.
و في الصَّحاح: تَكَذَّبَ فلانٌ: تَكَلَّفَ الكَذِبَ . و تكذَّبَ فُلاناً ، و تَكَذَّبَ عليه: زَعَمَ أَنّه كاذِبٌ ، ١٧- قال أَبو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ، رَضِيَ اللََّهُ عنه :
____________
[١] معناه: لست لكم و إذا لم أكن و لم أعنكم كنت منابذاً لكم و منتفية نصرتي عنكم، ففي ذلك إغراء منه لهم به.
[٢] في الفائق: «ليس إلا»بدل «وحده».
[٣] هذه عبارة النهاية و اللسان نقلا عن الزمخشري. انظر الفائق ٢/٤٠٢.
[٤] و ذلك معنى أنه حمل فلان ثم كذّب.
[٥] كذا بالأصل و النهاية و اللسان، و في غريب الهروي: شددتم.