تاج العروس من جواهر القاموس - المرتضى الزبيدي - الصفحة ٣٥٨ - كذب كذب
قال شيخُنا: و هُما مَصدرانِ، قُرِئ بِهِمَا في المُتَوَاتِر.
يقال: كاذَبْتُه مُكَاذَبَةً و كِذَاباً ، و منه ١- قراءَةُ عليّ و العُطارديِّ و الأَعمش و السُّلَميّ و الكِسَائيّ و غيرِهم، و لا كِذَاباً [١] .
و قيل: هو مصدرُ: كَذَبَ كِذَاباً ، مثلُ كَتَبَ كِتَاباً.
و قالَ اللِّحْيانيّ، قال الكِسائِيُّ: أَهلُ اليَمنِ: يَجعلُونَ المصدَرَ من فَعَّلَ: فِعَّالاً: و غيرُهُم من العرب: تَفْعِيلاً. و فِي الصَّحاح: و قولُه تَعالى: وَ كَذَّبُوا بِآيََاتِنََا كِذََّاباً [٢] و هو أَحَدُ مصادرِ المُشَدَّدِ، لِأَنَّ مصدرَهُ قد يجيءُ على تَفعيل، كالتَّكليم، و على فِعّالٍ، مثل كِذَّابٍ ، و على تَفْعِلَة، مثل تَوْصِيَةٍ، و على مُفَعَّل، مثل: وَ مَزَّقْنََاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ [٣] .
قلتُ: و فاته: كُذَّاباً ، كرُمَّانٍ، و به قرأَ عُمَرُ بْنُ عبدِ العزيزِ؛ و يكون صِفَةً على المُبَالَغَة، كوُضّاءٍ و حُسَّانٍ، يقال: كَذَبَ كُذَّاباً ، أَي: [ كذباً ] [٤] مُتَنَاهِياً.
و هُوَ كاذِبٌ ، و كَذَّاب ، كَكَتَّانٍ و الأُنثى بالهاءِ و عن اللِّحْيَانيّ: رَجُلٌ تِكِذَّابٌ و صدق تِصِدَّاق ، بكسرتَيْنِ و شَدِّ الثّالث، أَي: يَكْذِبُ و يَصْدُقُ. و رجلٌ كَذُوبٌ ، و كذلك رُؤيا كَذُوبٌ أَي: صاحِبُهَا كاذِبٌ ؛ أَنشد ثعلب
فَحَيَّتْ فَحَيَّاهَا فَهَبَّ فَحَلَّقَت # مَعَ النَّجْم رُؤيا في المنامِ كَذُوبُ
و من أَمْثَالِهم: «إِنّ الكَذُوبَ قد يَصْدُقُ» . و هو كقولهم «مَعَ الخَوَاطِئِ سَهْمٌ صائِبٌ» و كَذُوبَةٌ بزِيَادَةِ الهَاءِ، كفَرُوقَة، و كذْبانُ كسَكْرَانَ، و كَيْذَبانُ بزيادة المُثَنَّاةِ التَّحْتِيَّة و فَتْح الذّالِ، كذا هو بخطّ الأَزْهَرِي في كتابهِ، و كَيْذُبَانُ [٥] بِضمّ الذّال كَذَا في نُسْخَةِ الصّحاح، و كُذُبْذُبٌ بالضَّمّ، مُخَفَّفٌ.
قال الشيخُ أَبو حَيّانَ في الارتشافِ لم يَجِئ في كلام العَرَب كلمةٌ على فُعُلْعُلٍ، إِلاّ قَوْلُهم: مُذُبْذُبٌ. قال شيخُنا: و قد صرّح به ابنُ عُصْفُور، و ابْنُ القطّاعِ، و غيرُهما. قلتُ: و لم يَذْكُرْه سِيبَوَيْه فيما ذَكَرَ من الأَمثله، كما نقله الصّاغانيّ. و قد يُشَدَّدُ، فيُقَالُ: كُذُّبْذُبٌ حكاه ابْنُ عُدَيْسٍ، و غيرُه، و نَقَلَهُ شُرَّاحُ الفَصِيح. و أَنشد الجَوْهَرِيُّ لأَبِي زَيْدٍ [٦] :
و إِذَا أَتَاكَ بأَنَّنِي قد بِعْتُها # بِوِصالِ غانِيَةٍ فُقْلُ كُذُّبْذُبُ
و في نُسْخَةٍ: «قد بِعْتُهُ» [٧] ، و يُقَالُ: إِنَّه لجُرَيْبَةَ بْنِ الأَشْيَمِ، جاهليّ، و في الشَّوَاذِّ، عن أَبي زَيْد:
فإِذا سَمِعْتَ بِأَنَّنِي قَدْ بِعْتُهُ [٨] .
يقول: إِذا سَمِعْتَ بأَنَّنِي قد بِعْتُ جَمَلِي [٩] بوِصالِ امْرَأَة، فقُلْ: كُذُّبْذُبٌ . كذا في هامش نُسْخَة الصَّحاح.
و قال ابْنُ جنَّي: أَمَّا كُذُبْذُبٌ خفيفٌ، و كُذُّبْذُبٌ مُشَدَّدٌ منه، فهاتان لم يَحْكِهما سِيْبَوَيْه [١٠] . و رَجلٌ كُذَبَةٌ مثالُ هُمَزَةٍ، نقله ابْنُ عُدَيْسٍ و ابنُ جِنِّي و غيرُهما، و صرَّح به شُرَّاحُ الفَصيح و الجَوْهَرِيُّ و هو من أَوْزَانِ المُبَالغة كما لا يخفَى.
قاله شيخُنا. و مَكْذَبَانُ ، بفتح الأَوّل و الثالِث، كذا في الصَّحِاح مضبوطٌ، و ضُبِطَ في نسختنا بضمّ الثّالث، و مَكْذَبَانَةٌ ، بزيادة الهاءِ. نقلهما ابْنُ جِنِّي في شرح ديوان المتنبّى، و ابنُ عُدَيْسٍ، و شُرّاحُ الفصيح، عن أَبي زيد؛ و كُذُبْذُبانُ بالضَّمِّ و زيادة الأَلِف و النُّون، قال شيخُنَا: و هو غريبٌ في الدَّواوينِ.
و قد فرَغَ المصنِّفُ من الصِّفات، و انتقل إِلى ذكر ما يَدُلُّ على المصدر من الأَلفاظ، فقال: و الأُكْذُوبَة و الكُذْبَى ، بضمهما، الأَخير عن ابْن الأَعْرَابِيّ، و المَكْذُوبُ كالمَيْسور من إِطلاق المفعول الثّلاثيّ على المصدر، و هو قليل،
[١] سورة النبأ الآية ٣٥.
[٢] سورة النبأ/٢٨. كان الكسائي-كما مرّ-يخفف «و لا كذاباً» لأنها مقيدة بفعل يصيرها مصدراً، و يشدد «وَ كَذَّبُوا بِآيََاتِنََا كِذََّاباً» لأن كذّبوا يُقيّد الكِذّاب».
[٣] سورة سبأ الآية ١٩.
[٤] زيادة عن التكملة.
[٥] في الصحاح و اللسان صرفت.
[٦] كذا، و في الصحاح: و أنشد أبو زيد.
[٧] و في التهذيب: قد بعتكم.
[٨] بهامش المطبوعة المصرية: قبله كما في التكملة:
قد طال إيضاعي المخدم لا أرى # في الناس مثلي في معدّ يخطب
حتى تأوبت البيوت عشبة # فحططت عنه كوره ينتأب»
قال الصاغاني و الرواية في البيت قد بعته يعني جمله المخدم المذكور في البيت الأول.
[٩] بالأصل: جميلي.
[١٠] عن اللسان، و بالأصل «شيبان»و عبارته: فهذان بناءان لم يحكهما سيبويه.