القواعد الشريفة - الجابلقي، الشيخ محمد شفيع - الصفحة ٣٠٠ - المقام الرابع احكام الله تع تابعه للصفات الكامنة
انما هما من لوازم الافعال الاختيارية و قد برهن فى مقامه ان افعالنا كلها اضطرارية فاذا ثبت ذلك فلا يكون العقل حجة و الجواب عن هذا اما او لا فبان لهذا شبهة فى مقابلة البديهيّة اذ نرى فرقا بيّنا بين القاء انفسنا من السطح و بين القاء غيرنا ايانا فانه فى الاول نعلم كوننا مختارين فى ذلك الفعل و فى الثانى مضطرّين و ثانيها انّ هذا الكلام مناقض لما هو المنقول منكم من انا نقول بجواز التكليف بما لا يطاق لا لوقوعه فعلى ثبوت هذا الكلام كل التكاليف تكليف بما لا يطاق و اما ثالثا فلان هذا مردود بالادلة الشرعية و من جملتها ان التكاليف ثابتة من الشرع بالاتفاق و الاية الشريفة لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها تدل على ان التكليف لا يتعلق الا بما هو فى وسعه و تحت قدرته فبملاحظة هاتين المقدمتين يثبت ان افعالنا اختيارية و الا لزم الكذب تع عن ذلك علوا كبيرا و الحمل على خلاف الظاهر من دون صارف لا وجه له و منها ان اعتبار العقل موقوف على ثبوت المطلب الاول و هو مستلزم لان لا يكون تع مختار فى فعاله بل يكون مضطرا فيها لانه على هذه القاعدة لا يمكن له تع لن يجعل الحسن حراما و القبيح واجبا و هكذا بل الاحكام داير مدار تلك الصفات و بطلان لنا فى لا يحتاج الى التبيان و الجواب انه فرق بيّن بين عدم صدور الفعل عن الشخص لمصلحة و عدم قدرته عليه و لا ريب ان استحالة صدور القبيح من الله تع ليس لعدم قدرته عليه بل لعلوّ شانه عن ذلك و ذلك معلوم من تامل فى افعال الناس فانه لا شك انهم لم يكونوا مضطرين فى الفعل الذى اقتضت مصلحتهم ايجاده او تركه مع انهم لا يتركون الفعل مع الاوّل و لا يوجدونه مع الثّانى و ذلك امر معلوم بديهىّ
المقام الرابع [احكام الله تع تابعه للصفات الكامنة]
لا خلاف فيه بين اصحابنا فان الكل حتى الاخباريين متفقون على ان احكام الله تع تابعه للصفات الكامنة و ان كلما حكم به الشرع حكم به العقل و لا يخفى عليك ان الامامية فى هذا المقام مثبتون للكلية و الاشاعرة فى مقابلهم يدعى السّلب الكلى كما هو الظاهر من كلماتهم فلنبين اولا معنى عبارة كلما حكم به الشرع حكم به العقل ثم نشرع فى الاستدلال فنقول هذه العبارة يحتمل احتمالات الاول ان يكون معنى كلما حكم به الشّرع اى صدر منه خطاب و ان لم يصل الى الخزنة و الثانى ان يكون معناه صدر منه و وصل الى الخزنة و الثالث ان يكون معناه بطريقة القضية الشرطية بمعنى انه ان تعلق منه خطاب بشئ اعم من الصّدور فى الماضى او فى المستقبل و على التقادير الثلثة يحتمل فى ظرف الحكم العقلى احتمال لان الاول ان يحكم العقل به فى طرف الحكم العقلى تفصيلا كما فيما يستقل به كقبح الظلم و حسن ردّ الوديعة و الثانى ان يحكم به اجمالا بمعنى انه يحكم بان كلما امر به او يامر به الشارع فهو حسن و كلما نهى عنه قبيح و يلزم الاتيان بالفعل الاول و الترك فى الثانى فهذه احتمالات ستة و هذا الاخير فى جانب الحكم العقلى هو المتعين و الوجه واضح و فى الجانب الحكم الشرعى ايض الاحتمال الاخير متعيّن لانه المناسب لادّعاء الكلية ثم لا يخفى عليك ان لازم كلامنا شيئان الاول للافعال صفات كامنة و الثانى ان احكام الله تع تابعة لها اذا عرفت ذلك فاعلم ان لنا على التطابق بهذا المعنى وجوه الاول ما دل على اثبات المقام الثانى و الثالث اذ ادراك العقل فى المقام الثانى و الثالث موقوف على تبعيّة حكمه تع لتلك الصفات و الا لا معنى لقطعه فى المقامين و الثانى مركب من مقدّمات ثلثة الاولى ان الشئ اما يكون المصلحة فى فعله او يكون المصلحة فى تركه او لا يكون مصلحة فى البين لا فى الفعل و لا فى الترك و لا واسطة بين الثلثة و الا لزم الواسطة بين النفى و الاثبات فاذن اما يكون ما فيه المصلحة مامورا به او منهيّا عنه او يكون مباحا فان كان الاول فبها و الا يلزم احد المحذورين لما ترجيح المرجوح ان كان منهيّا عنه او التسوية بين الراجح و المرجوح ان جعله مباحا و كلاهما قبيحان باطلان لا يصدران من العاقل بحكم القوة العاقلة و مثله الكلام فيما كان المصلحة فى تركه و اما ما لا يوجد المصلحة فيه لا فى العقل و لا فى الترك فاما ان يكون مباحا او مامورا به او منهيّا عنه و الاول مثبت للمطلوب و الاخيران مستلزمان للترجيح بلا مرجح و هو باطل ايض بحكم القوة العاقلة و قد مر اعتبار حكم العقل و حجيته و الثانية ان احكام اللّه تع مختلفة كما نراه بالعيان و الوجدان و الثالث ان تلك الاحكام المختلفة من الشرع اما يكون مطابقة لاختلاف المصلحة فى الفعل او الترك او عدم المصلحة اصلا او لا تكون لا سبيل الى الثانى لانه مستلزم لاحد القبايح الثلثة المتقدّمة و القوة العاقلة حاكمة بعدم صدورها من الحكيم على الاطلاق فتعيّن ان يكون هو الاول و هو المطلوب و الثالث ان احكام الله اما يكون لاجل غرض و فايدة او لا يكون لاجل غرض و فايدة و على الاول فامّا يكون ذلك الغرض و تلك الفايدة و اجعاله اليه تع شانه عن ذلك او يكون راجعا الى العباد و على الثانى اما يكون تحقق الفايدة و الغرض بنفس تعلق تلك الاحكام او يكون سابقا عليها و يكون تلك الاحكام كاشفة عنها و الاحتمالات الثلثة الاولى كلّها باطلة فتعيّن ان يكون هو الاخير و هو مثبت للمطلوب اما الاول فبطلانه بديهى اذ لا يمكن صدور ذلك عن احد الا عن المجانين و من ليس له شعور تع عن ذلك علوّا كبيرا و كذا بطلان الثانى فانه مستلزم لاحتياجه تع و هو منزّه منه باتفاق الخصمين مع انّه فاسد فى حد ذاته و اما الثالث فلانه يلزم ان يكون تعيين الخصوصيات للاحكام المخصوصة ترجيحا بلا مرجح و عبثا و لغوا و ان لم يكن نوع جعل الاحكام لغوا كما يلزم على الاحتمال الاول لان الغرض المتحقق بنفس تعلق الاحكام غرض عام يتحقق فى كل موضوع تعلق به و ذلك الغرض المتصور هو تحصيل الثواب بواسطة الاطاعة و الانقياد و ذلك لا يختصّ بموضوع دون موضوع كما هو واضح و قد عرفت بطلان الترجيح بلا مرجّح و عدم صدوره من الحكيم على الاطلاق فلزم ممّا ذكرنا ان يكون اوامر
اللّه تع بالنسبة الى العباد من قبيل اوامر الطّبيب بالنسبة الى المريض لا من قبيل اوامر الموالى للعبيد فان الغرض منها عائد اليهم لا الى العبيد نعم لها جهة اشتراك مع اوامر الموالى بالنسبة الى العبيد ايض و هو ان مخالفة اوامره تع يوجب استحقاق العقاب و موافقته استحقاق الثواب كما فى اوامر الموالى بالنسبة الى العبيد و من جملة الادلة الدالة على التبعية و التطابق الاية الشريفة إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَ الْإِحْسانِ وَ يَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَ الْمُنْكَرِ فانها دلت على تبعية حكم النهى لهذه الصفة و اذا ثبت حجية نهيه يكفى فى رفع السلب الكلى و ان لم يكن مثبتة للكلية على انه يمكن ان نجعلها دليل على الكلية بواسطة الاجماع المركب و منها الاخبار الدالة على انّه على الله بيان ما يصلح للناس ق يفسدهم و معلوم ان بيان المصلحة و المفسدة ليس الا بجعل الاحكام و بيانها و لا يخفى ان هذا الاخير لا يكون ردّا على الاشعرى و ان كان حجة لنا فاذا تاملت فيما ذكرنا من الادلة لا يبقى لك اشكال فى هذا المقام ثم لا يخفى عليك ان ثمرة هذا المقام هو الحكم بكون الشئ واجبا عند اللّه او غير ذلك من الاحكام على حسب ادراك العقل