الرسائل الفشاركية - الطباطبائي الفشاركي، السيد محمد - الصفحة ١٤٢ - احتجّ القائلون بوجوب الاحتياط بأمور
المختار هو مقتضى الإطلاق، لكنّ الأخذ به حينئذ ليس من باب اعتبار الإطلاق، بل لحجيّة الأمارة، و ذلك لأنّ أصل الإطلاق و إن كان غايته العلم بالتقييد، يكون أدلّة حجيّة الأمارات حاكمة عليه، لأنّها تفيد كون الأمارات منزّلة منزلة العلم، فكلّ ما كان غايته العلم، يكون الأمارة المنافية لمدلوله بل الموافقة لمدلوله حاكمة عليه، إذ المفروض كون تلك الأمارة منزّلة منزلة العلم، فيكون رافعا لأصل الشك، فلا يبقى معه للأصل موضوع. و تمام الكلام في باب التراجيح إن شاء اللّه تعالى.
مسألة
إذا كان الشك في الجزئية ناشئا من الشبهة في الموضوع الخارجي، كما إذا كان المأمور به مفهوما مبيّنا يكون مصداقه مردّدا بين الأقل و الأكثر، كما إذا علمنا بأنّ صوم شهر هلالي واجب، و شككنا من جهة الشك في الرؤية أنّه ثلاثون يوما أو أقل، و كما إذا علمنا أنّ الواجب عند الصلاة هو الوضوء الرافع للحدث، و شككنا في أنّ الأمر الفلاني جزء للوضوء أم لا، فالظاهر هنا وجوب الاحتياط، لأنّ الواجب و هو المفهوم المبيّن معلوم و مع العلم به يكون الذمّة مشغولة به، فيجب تحصيل ما يوجب الفراغ قطعا و هو ليس إلّا الأكثر، و الأدلّة العقلية و النقلية الدالّة على البراءة في المسألة السابقة لا تجري هنا، لأنّ الشك هنا في أنّ المكلّف به هل وجد في الخراج إذا اتي بالأقل أم لم يوجد، و في مثل هذه الموارد يجب الاحتياط، و لذا لو شك في إتيان شيء من الأجزاء المعلومة لا يحكم العقل حينئذ بالبراءة.
و الحاصل: أنّ الشك هنا ليس في أنّ الجزء فعل واجب أم لا، بل الشك في أنّ الواجب المعلوم وجوبه هل يحصل في الخارج بالأقل أم لا؟ و لا ريب أنّ شيئا من أدلة البراءة لا يجري هنا، و في السابق راجع إلى الشك في أنّ الجزء الزائد هل هو واجب كسائر الأجزاء أم لا يكون واجبا؟ و ليس هنا أمر محقّق الوجوب يشك في حصوله في الخارج مع الاكتفاء بالأقلّ حتى نقول بالاحتياط، فظهر الفرق بين المسألتين.