الرسائل الفشاركية - الطباطبائي الفشاركي، السيد محمد - الصفحة ٣٥٣ - الرابع
نعم اقتضاء السبب للأمر بالغسل فعلي بالنسبة إلى السبب الأوّل، و شأني بالنسبة إلى الثاني، لأنّه لا يعقل تأثيره بعد حصوله، و لكنّه أيضا يؤثّر تأكّد الأمر كما لا يخفى، فتأمّل.
فإن قلت: إنّا نشك في أنّ الحادث بالسبب الثاني أمر مغاير للحادث بالسبب الأوّل، بحيث يقتضي رافعا مخالفا للرافع الأوّل و لو بحسب الماهية، و مع الشك في ذلك، الأصل البراءة عن التكليف الزائد عن ما يثبت بأوّل الأسباب.
قلت: إذا سلّمت أنّ ظاهر الدليل هو اقتضاء كلّ سبب حتى عند اجتماعه مع سابق عليه حصول الغسل، أو نوع منه، و علم من الخارج أيضا أنّ ذلك لا يكون إلّا لأجل تأثير السبب أثرا يجب رفعه، و أنّ مطلوبية الغسل ليس إلّا لأجل تأثيره في رفع ذلك الحادث، غاية الأمر أنّ الأثر الحادث ثانيا، إن كان واقعه غير رافع الأثر الحادث كان السبب موجبا لتأكّد مطلوبية ذلك الرافع، و إن كان مغايرا كان السبب موجبا لحدوث تكليف كان اللازم هنا الاحتياط لا غير، إذ تحصيل الفراغ برفع آثار الأسباب واجب مقدّمة للدخول فيما يتوقّف على دفعها، و لا يحصل اليقين إلّا بالاحتياط.
نعم لو فرض الشك في حصول أثر للسبب الثاني، مغايرا لأثر السبب الأوّل أو متّحدا، كان أصالة عدم حدوث الأثر الجديد سليمة عن المعارض، و لكنّ ذلك أيضا لا يجدي في الاكتفاء بالغسل المجرّد، إذ لعلّ رافع السبب الأوّل غسل خاص لا يحصل بالغسل بقصد القربة من غير قصد إلى أمر آخر، و لو إجمالا.
نعم لو كان لإطلاقات الأوامر ظهور في أنّ المطلوب هو الغسل من حيث هو كان مقتضى ذلك الظهور بضميمة الإجماع السابق الاكتفاء بالغسل بقصد القربة.
فتلخّص من جميع ما ذكرنا: أنّ مقتضى الأصل عدم الاكتفاء بالغسل المجرّد بقصد القربة، أو المنويّ به استباحة الدخول في العبادة، إذا لم يرجع ذلك إلى قصد جميع الأغسال، و لقد أطلنا الكلام خوفا عن فوت بعض ما يجب التنبيه عليه، هدانا اللّه و إيّاك إلى صراط مستقيم، أنّه حميد مجيد.