الرسائل الفشاركية - الطباطبائي الفشاركي، السيد محمد - الصفحة ٢٠٦ - رسالة في تقوّي السافل بالعالي
في الماء، و في مثل الماء الجاري لا تكون الملاقاة مقتضيا للتأثير إلى فوق محلّ الملاقاة.
و الحاصل: أن المستفاد من أدلّة انفعال الماء هو أنّ الملاقاة على وجه تكون قابلة للتأثير إذا تحقّقت بالنسبة إلى الماء القليل كانت موجبة لتنجّس الماء. و لذا ترى أنّ أحدا لا يتأمّل في الماء الوارد على النجاسة أنّ فوق محلّ الملاقاة لا يكون نجسا.
و دعوى أنّ ذلك للإجماع، أو دليل آخر أوجب الخروج عن مقتضى العمومات مدفوعة بأنّا نعلم: أنّ الخالي ذهنه عن الشبهات إذا عرضت عليه أدلّة انفعال القليل لم يكن يحصل منها إلّا ما ذكرنا، و لا يشكّ في أنّ الماء الوارد لا يكون نجسا بواسطة ملاقاة أسفله للنجاسة.
و هذا بخلاف الماء الساكن، فإنّ السفل و العلوّ فيه في حكم واحد، و لو كان عمود من الماء الساكن لم يبلغ الكرّ نجس الماء كلّه بملاقاة النجاسة، و لو كانت الملاقاة من تحت الماء.
و يمكن أن يقال: إنّ مراتب الجريان مختلفة، فقد يكون الجريان بحيث يجعل فوق محلّ الملاقاة بمنزلة الوارد على النجاسة، و قد يكون خفيّا لا يحكم فيه بذلك.
و هذا هو الفارق بين أقسام الجريان، بل قد يجعل شدّة الجريان الأسفل بمنزلة الأعلى- كما ستأتي الإشارة إليه.
و من هنا يشكل الأمر بالنسبة إلى العمود القائم إذا كان مجموعه كرّا، و لاقى النجاسة من تحت مثلا، لإمكان أن يقال: إنّ المستفاد من أدلّة اعتصام الكرّ أن يكون ما تحقّق فيه مقتضى النجاسة كرّا، و لا ريب في أنّه في مثل العمود الجاري لا يكون فوق محلّ الملاقاة داخلا في المورد الذي تحقّق فيه مقتضى النجاسة كما عرفت.
فلو قلنا: إنّ مثل العمود القائم داخل في متساوي السطح، و قلنا: إنّ اختلاف السطح لا ينافي الوحدة أشكل الحكم من هذه الجهة.
و لكن يمكن أن يقال: إنّ الملاقاة تقتضي نجس الملاقي و التأثير فيه، إلّا أنّ الجريان مانع عن وصول الأثر عرفا، لا أنّ اقتضاء الملاقاة متقيّد بعدم الجريان،