الرسائل الفشاركية - الطباطبائي الفشاركي، السيد محمد - الصفحة ١٠٣ - المقام الثاني في وجوب الموافقة القطعية
ما الموصولة هنا كناية عن الجبن و السمن في أرض المشركين، و الظاهر من قولنا:
اجتنب عن سمن خلطه الحرام ان المراد من الخلط هو الامتزاج فظهر: أنّ قوله (عليه السّلام) امّا ما عرفت انه قد خلطه الحرام الى آخره بمنزلة قوله (عليه السّلام) اما ما عرفت إنه حرام بعينه في خبر الجدي السابق ذكره، بل يمكن الاستدلال بذيل الخبر: على جواز تناول الشبهة لا طلاق قوله (عليه السّلام): و ما لم تعلم فكل، فإنّه يعمّ ما لو اقترن بغير المعلوم علم إجمالي، و ما لو لم يقترن، و إن كان الجواب عنه يظهر ممّا أسلفناه سابقا: من أنّ مثله مسوق لبيان حكم الشبهات البدوية و ما يجري مجراه.
و أمّا قوله (عليه السّلام): اتركوا ما لا بأس به حذرا عمّا به البأس، فالظاهر أنّه نظير قوله (عليه السّلام) في خبر التثليث: من رعى غنمه قرب الحمى نازعه نفسه إلى أن يرعيها في الحمى، ألا و لكل ملك حمى، ألا و إنّ حمى اللّه محارمه، فاتّقوا حمى اللّه و محارمه [١] الى آخره، في أنّ المراد منه: مجرّد إرشاد و بيان: أنّ النفس إذا تعوّدت بارتكاب الشبهات يهون عنده الأمر في ارتكاب المحرّمات، و يغلب عليه الهوى فلا يهاب ما يترتّب عليها من المفاسد و المؤاخذة.
و أمّا قوله (عليه السّلام): كل شيء حلال حتى يجيئك شاهدان، فالظاهر ان المراد من الشيء: هو الفرد و كون المجموع شيئا واحدا اعتباري بل هو حقيقة أشياء فشموله له خلاف الظاهر، مع أنّه لا ريب في أنّ كل واحد من أجزاء المجموع شيء، فيقع التعارض في مدلول الحديث لحكمه على المجموع بالحرمة و على كل جزء بالحل.
و أيضا نقول: حرمة المجموع ينافيه حلّية الجميع، و لا ينافيه حرمة البعض و حليّة البعض، فلو دلّ خبر على أنّ بعض الأطراف يجوز ارتكابه، و يكون الطرف الآخر بدلا عن الحرام لم يكن بينه و بين هذا الخبر منافاة.
و أمّا خبر التثليث: فدلالته على وجوب الاجتناب انّما هو بعد إحراز تنجّز التكليف من الخارج، و معه لا حاجة إليه، إذ مع العلم بالتنجّز يحصل العلم بترتّب
[١] وسائل الشيعة: ج ١٨ ص ١٢٤، ب ١٢ من أبواب صفات القاضي، ح ٤٧.