التعارض - الطباطبائي اليزدي، السيد محمد كاظم - الصفحة ٢٠٩ - (في نفي المتعارضين للثالث)
المذكور-: إنّ ذلك يحتاج إلى قرينة خارجيّة و لا يكفي مجرّد عمومات أدلّة الحجيّة، فإنّه إذا فرض تعارض الخبرين و عدم إمكان العمل بهما بمفادهما، لا يفهم العرف شمولها لهما على الوجه المذكور، بل يحكمون بخروجهما بالمرّة، فالحق جواز الرجوع إلى الأصل المخالف.
و يمكن دعوى الفرق بين المقام و ما سبق من تعارض ظاهري القطعيين؛ حيث قلنا إنّه بعد الإجمال لا يرجع إلى الأصل المخالف، و لعلّ الفرق أنّ العرف يحكم هناك بالإجمال، و أنّ أحد الظاهرين مراد، و لا معيّن له، و إن لم يمكن شمول دليل الحجيّة لهما، و لا يحكمون بسقوطها بالمرّة، بخلاف المقام، حيث لا يمكن أن يقال أحدهما مراد من الدليل، و لا أنّه صادق في الواقع، و السرّ أنّ السندين إذا كانا قطعيين فالعرف لا يحكم بعدم إرادة الظاهر إلا في أحدهما، و إن كان ذلك محتملا فيهما؛ إذ لا داعي إلى الحكم بالتأويل فيهما، و المفروض أنّ العمل بالظهور من باب بناء العقلاء، و إذا لم يحكموا بطرح كلا الظهورين فيمكن نفي الثالث، و أمّا فيما نحن فيه: فالمدار على شمول دليل التعبد، و هو غير ممكن الشمول، و المناط غير معلوم حتى يحكم بحجيّة أحدهما من جهة، و المفروض عدم العلم بصدق أحدهما، فلا وجه لنفي الثالث.
و إن أبيت عن الفرق فنقول بجواز الرجوع هناك أيضا إلى الأصل المخالف، و إن قوّينا سابقا عدمه.
و كيف كان؛ فقد ظهر من جميع ما مرّ أنّ الأصل في المتعارضين التساقط؛ بأحد الوجهين، و الرجوع إلى الأصل كائنا ما كان دون التخيير العقلي، لأنّه فرع شمول الدليل لكل منهما، بحيث لو أمكن الجمع وجب، أو العلم بالمناط، و وجوده في كل منهما، و دون التوقف؛ لتوقفه على كون أحدهما حجّة في الواقع، و دون الاحتياط لعدم الدليل عليه بعد عدم شمول الدليل، مع أنّه على فرضه فاللازم التخيير كما عرفت، و لا فرق في ذلك بين الأدلة على الأحكام و الأمارات على الموضوعات، نعم؛ فيها يحتمل القرعة، و لكن لا دليل عليها كليّة [١]، و إن كانت جارية في بعض
[١] أي لا دليل على ثبوت حجيّة القرعة بنحو كلي و كبروي؛ بل على ذلك في بعض الموارد.