التعارض - الطباطبائي اليزدي، السيد محمد كاظم - الصفحة ١٩٩ - الثامن البحث في موارد التوقف
التوقّف، و ذلك لأنّ مراده من الموضوعيّة كون حجية الخبرين من باب التعبد الظاهري، حيث قال في تفسير السببيّة: بأن يكون قيام الخبر على وجوب فعل واقعا سببا شرعيا لوجوبه ظاهرا على المكلّف، و حينئذ فلا وجه لجعله من قبيل الواجبين المتزاحمين.
و أمّا ما ذكره على تقدير الطريقيّة من التوقف ففيه: أنّ التوقف إنّما يكون فيما كان هناك واقع مشتبه، و المفروض في المقام أنّه ليس أحد الخبرين حجّة معينة في الواقع؛ لتساويهما في ملاك الحجيّة و عدم إمكان شمول الدليل لهما معا باعترافه، مع أنّ ما ذكره في بيان الوجه للتوقف إنّما يفيد التساقط حيث جعل مصلحة الجعل- بناء على الطريقيّة- الإيصال الغالبي، و قال [١]: إذا تعارض خبران جامعان لشرائط الحجيّة لا يعقل بقاء تلك المصلحة في كلّ منهما بحيث لو أمكن الجمع بينهما أراد الشارع إدراك المصلحتين؛ بل وجود تلك المصلحة في كل منهما بخصوصه مقيّد بعدم معارضته بمثله، قال: و من هنا يتجه الحكم بالتوقف؛ لا بمعنى أنّ أحدهما المعيّن واقعا طريق و لا نعلمه بعينه- كما لو اشتبه خبر صحيح بين خبرين- بل بمعنى أنّ شيئا منهما ليس طريقا في مؤداه بالخصوص؛ انتهى.
فإنّ من المعلوم أنّه إذا كانت المصلحة مقيدة بعدم المعارض لا يمكن أن يكون شيء منهما مع ذلك مشمولا للدليل و معتبرا، فلا وجه للتوقف و نفى الثالث، و لعلّه يريد أنّ كلّ واحد منهما يتساقط بالآخر، و لكن هما معا داخلان تحت دليل الاعتبار بالنسبة إلى مدلولهما الالتزامي؛ و هو نفى الثالث.
و فيه: أنّ هذا عين القول بالتساقط؛ غاية الأمر أنّه يدّعى أنّ لازم التساقط ليس إلا عدم الأخذ بهما في مدلولهما المطابقي؛ مع أنّك ستعرف الإشكال في الحكم بنفي الثالث بعد عدم شمول الدليل، هذا مع عدم العلم بصدق أحد الخبرين، و إلا فالتوقف في محلّه، لكن بالنسبة إلى تعيين الحكم الواقعي الموجود في البين لا بالنسبة إلى تعيين الحجّة، و نفي الثالث حينئذ مستند إلى العلم.
ثمّ ممّا يرد على ما ذكره أنّه يبقى سؤال الفرق بين الأصول و الأدلة- بناء على
[١] فرائد الأصول: ٤/ ٣٨.