القانون في الطب - ابن سينا - الصفحة ٥٢ - فصل في الغبً مطلقاً ويسمى طريطاوس
فصل كلام كلي في الحمًى الصفراوية
الحميات الصفراوية ثلاث: غب دائرة، وغب لازمة، ومحرقة. فالغب الدائرة إما خالصة، وتكون عن صفراء خالصة. وإما غير خالصة، وتكون عن عفونة صفراء غليظة الجوهر، لاختلاط صفراء مع بلغم اختلاطاً مازجاً موحداً، وبذلك يخالف شطر الغبّ، إذ كان شطر الغب يوجبه مادتان متمايزتان وهذا يوجبه مادة واحدة، هي في نفسها ممزوجة، يمتزج بخارها بشيء من البارد يثقل عفونته،! وانحلاله ونضجه. فلذلك يكون لشطر الغب نوبتان. وللغب الغير الخالصة نوبة واحدة، وهذه الغير الخالصة، ربما طالت مدة طويلة وقريباً من نصف سنة، وربما أدت إلى الترهل وإلى عظم الطحال.
وأما المحرقة فمانها من جنس اللازمة، إلا أن تفاوت اشتدادها، وفتورها غير محسوس، وأعراضها شديدة، والسبب حمة المادة وكثرتها، إذ وقوعها بقرب القلب. وفي عروق فم المعدة، أو في نواحي الكبد خاصة، وبالجملة الأعضاء الشريفة المقاربة للقلب. وأما في الغب، فإن الصفراء تكون في اللحم وإلى الجلد، وفي الدائمة تكون مبثوثة في عروق البدن التي تبعد عن القلب. وشدة العطش والكرب والقلق والأرق والهذيان والغثيان ومرارة الفم، وتبثر الشفاه وتشققها، والصداع، يكثر في الحميات الصفراوية، وتكون الطبيعة في أكثرها إلى اليبوسة، لأن المادة إما متحركة إلى الأعالي وإما إلى ظاهر البدن والجلد.
فصل في الغبً مطلقاً ويسمى طريطاوس
نوبة الغبً تأخذ أولًا بقشعريرة، ونخس كنخس إبر، ثم تبرد وتأخذ في نافض صعب جداً أشد من سائر النوافض غير بارد، أو قليل البرد، وليس برده إلا لغور الحرارة إلى الباطن نحو المادة، ويجد كنخس الإبر. وهذا النافض مع شدته سريع السكون والسخونة، وقد علمت سبب مثل هذا النافض. ويكون النافض فيه في الأيام الأول أقوى وأشدّ، وفي الربع بخلافه. وأيضآ فإن النافض يبتدىء بقوة، ثم يلين قليلًا قليلًا، وينقضي بسرعة، وفي الربع بخلافة. والعرق يكثر في الغبّ عند الترك، ويكون البول فيه أحمر إلى نارية لا كثير غلظ فيه، أو تكون غير خالصة، فيكون بوله فجاً أو غليظاً. وحرارة الغب أسلم من حرارة المحرقة. واليد كلما طال لمسها للبدن لم يزدد التهاباً، بل ربما نقص التهابها، وفي المحرقة يزداد التهابها، والعوارض التي تعرض في الغب السهر بلا ثقل في الرأس، إلا في بعض غير الخالصة، والعطش والضجر والغضب وبغض الكلام. ويكون النبض حاداً سريعاً بالقياس إلى نبض سائر الحمّيات، ولا يكون مستوي الانقباض والانبساط، لأن الخلط يجهده ويزيده اختلافاً عند المنتهى.
والاختلاف فيه دون ما في سائر الحميات الخلطية، وأقل مما في غيره مع صلابته. ويكون