القانون في الطب - ابن سينا - الصفحة ٢٢٨ - فصل في تعريف قوة ما ينبت وما يلحم وما يختم وما يأكل من الأدوية
وأما الوجه المذكور للقسم الآخر، فيجب أن تراعي فيه باباً واحداً، وهو أنه ربما كان الشريان ليس إنما اتصل بالقلب من جانب واحد من جانبيه، حتى إذا سددته وحده أمنت، بل ربما اتصل بالجانب الآخر شعبة من شريان آخر تعترض فيه وتؤدي الدم إليه من غير الطريق الذي سددته، فيحتاج إلى سدين، وقبل ذلك فيجب أن تعرف الجهة التي هي المبدأ للعرق، ففي بعض المواضع يكون من أسفل كما في العنق، وفي بعضها من فوق كما في الفخذ والرجل، فإذا حصلت الجهة استعملت فيها الربط والشد، ومن التدبير في ذلك أن يتوصل إلى إخراج العرق بصنارة أو بشق قليل للحم الذي يغطيه ويخفيه ثم تلفه ثم تستعمل له الأدوية التي نذكرها، وإن كان ضارباً فالأولى أن تعصبه بخيط كتان، وكذلك إن كان غير ضارب إلا أنه كبير لا يرقأ دمه، فإذا فعلت ذلك ألزمته الأدوية وتركت الربط إلى اليوم الثالث والرابع، وحينئذ فإن رأيت المواء المغري لازماً موضعه فلا تقلعه البتة، ولكن ضع حواليه من جنسه شيئاً ينديه قليلًا.
وإن عرض له تبرء من تلقاء نفسه عند إزالتك ما فوقه، فاضبط بإصبعك ما دون الموضع في طريق مجيء العرق، واغمزه غماً تأمن من معه توثب الدم، واقلع ما قد تبرأ منه وقلق في موضعه وبدله بغيره، وتكون نصبتك للعضو في ذلك الوقت على ما ينبغي، وهو أن تكون الفوهة أعلى من المبدأ، حتى إذا كان مثلًا في أسافل المعي أو الرحم فرشت فراشاً يقل الأسافل، وبطأ طيء الأعالي على أبعد ما يكون من الوجع، ثم اتركه ثلاثة أيام يلزم هذه الوتيرة إلى أن يرقأ الدم.
وأما الردم بالإلقام فذلك إنما يمكن في الشريان العظيم بأن تتخذ فتيلة من وبر الأرنب أو نسج العنكبوت أو رقيق القطن أو خرق الكتان البالية، ثم تذر عليها الأدوية المغرية والمانعة للدم، وتدسّ في نفس الشريان كاللقمة، ثم تشد عليه الرباط، وربما استعملت الفتيلة من مثل وبر الأرنب وحده فكفت المؤنة، ويجب أن تشد شداً لازماً لا يفارق حتى يلتحم.
وأما الفتيلة فالطبيعة تدبر أمرها في إخراجها قليلًا قليلًا ودفعها أو في غير ذلك.
وأما الردم بلا إلقام فبأن يوضع مثل ذلك الشيء في الفوهة، ويشد عليها من غير إنفاذ له في العرق، وأن تحبس بمثل الرفائد، وخصوصاً الإسفنجية، وبالعصابات القوية الشدً والشد الشديد بها بعكس الشد الذي يكون للجذب، فإن الشد الأول يجب فيه أن يكون بقرب الفوّهة، ثم يلفّ ذاهباً إلى خلف، ويقلل الشد بالتدريج وههنا يكون بالخلاف.
واعلم أن شد الرفائد والعصائب إذا كانت ضعيفة جاء منها مضرة الشد وهو الجذب، ولم تجىء منها منفعة الشدّ وهو الحبس والردم، فيجب أن يتلطف في هذا الباب، فإذا شددت شداً جيداً، شددت أيضاً من الجانب المخالف لتميل المادة وتقاوم جذب هذا الشدّ، وإنما يجب أن يبلغ بالشد المنع دون الإيلام، اللهم إلا أن تحتاج إليه أولًا ثم ترخيه قليلًا قليلًا.
وكثيراً ما تحتاج أن تخيط الشق من اللحم، وتضم شفتيه وتعصبه، وكثيراً ما يكفي ضم الشفتين، ووضع رفائد حافظة للضمّ عرفتها، ثم شد على أدوية تنثر ملحمة.