القانون في الطب - ابن سينا - الصفحة ٤٠٦ - فصل في إزالة الهزال
المتصرفة في الغذاء إما الهاضمة وإما الجاذبة إلى الأعضاء لفساد مراج وأكثره بارد. أو بسبب سكون كثير تنام معه قوة الجذب، خصوصاً إذا كان بعد رياضات اعتادت الطبيعة أن تجذب بمعونتها الغذاء، فإذا هجرت لم تجذب ولا الغذاء المعتدل أيضاً. أو بسبب أن الدم يفيض إلى الطبع، والمراري أبغض إلى الجاذبة من الرطب المائي، وإما لمراحمة الطحال للكبد إذا عظم، فجذب إليه أكثر الدم، وأوهى قوة الكبد بالمضادة بينهما، وإما لمراحمة الديدان للبدن، وإما لضيق المسام لانسدادها عن أخلاط، وانطباقها عن اكتناز فعله برد أو حرّ أو مجرد يبس، تعرف كلًا منها بعلامة أو رباط دام عليها فسدد المسام والمجاري فلا ينجذب فيها الغذاء، وخصوصاً عن الطين المأكول. وإما لكثرة التحلل فلا يثبت ما ينجذب من الغذاء إلى الأعضاء، بل يتفرّق كما يعرض في الرياضات السريعة والهموم والغموم والأمراض المحللة. والأبدان التي تهزل في زمان قصير، فيحتمل أن يعاد إليها الخصب في زمان قصير، والتي هزلت في زمان طويل فلا تحتمل إلا المدار لضعف القوة عن أن تستعمل غذاء كثيراً. وأقبل الأبدان للتسمين أرخاها جِلداً وأقبلها للتمديد، ومما يحوج الإنسان إليالهرب عن الهزال الضعف، وشدّة الإنفعال عن الحر والبرد، وعن المصادمات والمصاكات، وعن الانفعالات النفسانية والنصب والتعب والأرق، وعن الاستفراغ والجماع، ويحتبس غذاؤه في عروقه فلا ينفذ فيعفن. والسمن له مضار أيضاً نذكرها فلا كالمعتدل، فما دام السمن لا يحدث ضرراً فلا تكرهه، فإن الحياة في الرطوبة لكنك يجب أن تحتاط أيضاً، وتكره طريق الإفراط، وإن لم تظهر آفة لأن آفته تصيب مغافصة وبغتة على ما يقال في موضعه، وإذا يبست الأبدان والأهوية كان هزال.
العلاج يجب أن تنظر ما السبب في هزاله من أسباب الهزال التي نذكرها، فيعالج ويزال مثلًا إن كان الغذاء غير مولّد لدم غليظ قوي جعل ما يولده، ولم يقتصر على ما يولّد دماً محموداً فقط، فربما ولد رقيقاً متحللَا. وإن كانت القوة الجاذبة في الأعضاء كسلى حركت وقويت، ونظر إلى سوء مراج إن كان فبدل والدلك مع الانتباه من النوم مما ينبه القوة الجاذبة. وربما احتيج إلى منع الغذاء عن الجانب الآخر وجذبه إلى الجانب المهزول، إذا اختلف الجانبان مثل أن تكون إحدى اليدين مهزولة، والأخرى سمينة، فيحتاج أن تعصب السمينة مبتدئاً من أسفل عصباً غير شديد الإيلام، بل بقدر ما يضيق فقط، ويمنع الغذاء عن النفوذ، فيرجع إلى موضع القسمة ويجذب إلى الجانب الآخر، وتنبيه الجاذبة بالدلك، وخصوصاً بدهن مثل الزيت بقليل شمع، مسخناً دلكاً غير محجف، وكلما التهب العضو ترك، ثم عوود كما يسكن. وإن كانت المنافذ منسدة فتحت، وإن كان البدن شديد الاكتناز، ولذلك انسدت المسام أرخي بالترطيب، والإسخان بالمسخنات من المتناولات، والحركات البدنية والنفسانية إن كان البرد حصفه، والتبريد والترطيب إن كان الحر كزّزه ولزّزه. وأجود ما يسخن به العضو الذي لا يقبل التسمين لبرده أن يدلك، ثم يوضع عليه محمر. وإن كان السبب في الهزال الطحال عولج الطحال، وإن كان الهزال للديدان قتلت