القانون في الطب - ابن سينا - الصفحة ٨٤ - فصل في حمي الدِّقّ
فصل في حمي الدِّقّ
ثم قد علمت أن في الأعضاء رطوبات مختلفة الأصناف، منها رطوبات معدة للتغذية، ولترطيب المفاصل، فمن ذلك ما هو مخزون في العروق، ومن ذلك ما هو مبثوث في الأعضاء كالعلل، وهذان القسمان وأولهما مادة حمى العفونة، أو حمى الغليان، كما علمت إذ كان الغذاء ليس كله ينفق كما يحصل، بل قد يبقى منه ما هو في سبيل الانفاق، وما هو في سبيل الإدخار ومنها رطوبات قريبة العهد بالجمود، وهي الرطوبات التي صارت بالفعل غذاء، أي انجذبت إلى المواضع التي هي إبدال لما يتحلل منه، وصارت زيادة فيه متشبهة به، إلا أن عهدها بالسيلان قريب فهي غير جامدة، ومنها رطوبات بها تتصل أجزاء الأعضاء المتشابهة الأجزاء من أول الخلقة، وببطلانها تصير إلى التفرق والتبدّد، مثال الرطوبة الأولى دهن السراج المصبوب في المسرجة، ومثال الثاني الدهن المتشرب في جرم الذبال، ومثال الثالث الرطوبة التي بها تتصل أجزاء قطن اتخذ منه الذبال، فإذا اشتعلت الأعضاء الأصلية وخصوصاً القلب كان ذلك هذا المرض الذي هو الّدق على ما علمت، وحرارة الكبد قد تؤدي إلى الدِّق، لكن لا تكون نفسها دفاً بل الدق ما كان بسبب القلب، وكذلك حال الرئة والمعدة لكنه ما دام يفني الرطوبات التي من القسم الأول من الأعضاء، وخصوصاً من القلب كما يفني المصباح الأدهان المصبوبة في المسرجة فهو الدرجة الأولى المخصوصة باسم الجنس، وهو الدق وباليونانية أقطيفوس إذ ليس لها في نوعيتها اسم.
فإذا أفنيت الرطوبات التي هي من القسم الأول وأخذت في تحليل الرطوبات التي هي من القسم الثاني، وفي إفنائْها كما إذا أفنت الشعلة الدهن المفرغ في المسرجة، وأخذت تفني المتشرّب في جرم الذبال كانت الدرجة الثانية، وتسمى ذبولًا وماريسموس، ولها عرض وابتداء وانتهاء ووسط ثم لا يفلح من بلغ انتهاء الذبول، وقلما يقبل العلاج إلا ما شاء اللّه، وخصوصاً إذا بلغ إلى أن يدق اللحم.
فإذا فنيت هذه وأخذت تفني الرطوبات التي من القسم الثالث، كما تأخذ الشعلة بحرق جرم الذبال ورطوباته الأصلية كانت الدرجة الثالثة، ويسمى المفتت والمحشف وباليونانية أوماطيس يحقق من أملسقون، وهذه العلة من الحميات التي لا نوائب لها، ولا أوقات نوائب وقد قال قوم: إما أن يكون تعلق الحمى الدقية بالرطوبات القريبة العهد بالجمود، وإما بمثل اللحم وإما بالأعضاء الأصلية الصلبة كالعظام، والعصب، وهذا القول إن فهم منه أنه يتعلق على سبيل أنه يفني ما فيه من الرطوبة المتصلة به، كان والمعنى الأول سواء، وإن عني أن أول ما يفنيه الدَّق هي الرطوبات القريبة العهد بالجمود لم يكن القول قولًا صحيحاً، والدِّق قد يقع بعد حمّى يوم، وقد يقع بعد حميات العفونة والأورام، ويبعد أن يعرض الدق ابتداء، فتكون