القانون في الطب - ابن سينا - الصفحة ٦٠ - فصل في حمّى الدم
وأما المفهوم الثاني، فهو كذب صرف، فإن العفونة طريق إلى الفساد، والعفونة لها زمان، واستحالة الدم صفراء لا تكون في زمان، بل العفونة فساد يعرض للدم، وهو دم كما يعرض للبلغم، وهو بلغم لم يصر سوداء ولا صفراء، إلا أن يستحيل من بعد ذلك بتمام العفونة، بل الحق الصحيح قول بقراط، أن الدم قد يتولد من عفونته حمى، فنقول الآن أن حمى الدم حميان: حمى عفونة، وحمى سخونة وغليان التي يسميها بقراط سونوخس، أي المطبقة دون غيرها، وأكثر غليانها عن سدد تحقن الحرارة، وقد تكون عن أسباب أخرى تشتد فوق اشتداد أسباب حمى يوم، وقد تسمى الشابة القوية، وهي من جملة الحميات التي بين حميات العفونة، وحميات اليوم فتفارق حميات اليوم بسبب أن التسخن الأول فيها للخلظ، وتفارق حميات العفونة بأنه لا عفونة لها، وهي حتى حادة ليست حمى يوم، ولا حمى دق ولا حمى عفونة، وكثيراً ما تنتقل إلى حمى عفونة، أو إلى حمى دق، وكثيراً ما أجراها جالينوس، مجرى حميات اليوم.
ويرى جالينوس، أن حمى المم لا تتركب مع سائر الحميات، لأن العفن إذا كان في الدم كان عاماً لكل خلط، وفي هذا تناقض لبعض مذاهبه لا نحتاج أن نطول الكلام فيه، فلا ينتفع به الطبيب، وسبب هذه الحمى الامتلاء والسدة، وأكثرها من الرياضة، وخصوصاً الغير المعتادة وترك الاستفراغ، ثم استعمال رياضة عنيفة، وقد توجب العفونة فيه كثرة مائية الدم من أكل الفواكه المائية، فتستحيل إلى العفونة، أو كثرة الخلط الفج فيه فتهيئه للعفونة مثله ما يتولد من القثاء، والقثد والكمثري، ونحوها.
وهذه الحمى لازمة لا تفتر لعموم المادة، ولزومها إلى البحران أو الموت، وأصنافها ثلاثة: أسلمها المتناقصة تبتدىء بصعوبة، ثم لا تزال تتناقص لأن التحلل أكثر من التعفن، ثم الواقفة على حال واحدة. ربما تشابهت سبعة أيام، وشرها المتزايدة لأن التحلل فيها أقل من التعفن، وبحرانها إلى السابع في الأكثر، وانقضاؤها باستفراغ محسوس أو غير محسوس، وقد تنتقل إلى المحرقة وإلى السرسام وقد تتتقل بالتبريد الكثير إلى ليثرغش، وقد تنتقل إلى الجدري والحصبة، وإذا عرض فيها سبات وانتفاخ بطن يجيء منه كصوت الطبل، فلا يحطه الإسهال مع تململ، وكان الإسهال لا ينفع ثم خرج حصف أخضر عريض خاصة فهو من علامات الموت.
العلامات علامات الحمى الدموية: لزوم الحمى، وحمرة الوجه والعين، وانتفاخ الأوردة والصدغين، وامتلاء تام من غير نافض ولا عرق إلا عند البحران، وكثيراً ما أجراها جالينوس، مجرى حميات اليوم، ويرى جالينوس أن حمى الدم يصحبها حكاك في الأنف وفي المحاجر، وتضيق النفس، وكثيراً ما يقع عليهم سبات، وعسر كلام وهو رديء، وكذلك أورام الحلق واللوزتين واللهاة وسيلان الدموع، وحرارتها كثيرة رطبة بخارية حمامية غير قشفة، كما في