القانون في الطب - ابن سينا - الصفحة ٣٨ - فصل في الإشارة إلى معالجات كلية لحمى العفونة
أن يثخن الرقيق قليلًا، ويرقّق الثخين قليلًا، ويقطع اللزج.
ولو أن هذا الرجل لم يسمع في كلام المتقدمين في النضج شيئاً من قبيل ما قلناه وتأمل حال نضج الأخلاط المنفوثة أن الرقيت! منها يحتاج أن يخثر، والخاثر يحتاج أن يرقّق لكان يجب أن يهتدي منه ولِمَ ليس يتأمل في نفسه فيقول ما بال القوارير في الحمّيات الحادة لا تكون في ابتدائها ذات رسوب، ثم تصير ذات رسوب، وهل الراسب المحمود شيء غير الخلط الفاعل للمرض، وقد نضج فلم ليس يندفع في أوائل الأمر أن كانت الرقّة هي الغاية المقصودة في النضج، فمن الواجب أن يكون في أوائل حميات الدم والصفراء رسوب محمود.
فإن كانت الطبيعة لا يمكنها دفع ذلك الفضل إلا بعد وقت يصير فيه مستعداً للدفع في البول، فكذلك الصناعة يجب أن يعلم أن استفراغها للخلط قبل مثل ذلك الوقت الذي يظهر فيه النضج في القارورة، ممتنع أو متعسر مستصعب وربما حرك ولم يفعل بلاغاً وربما خلط الخبيث بالطيب، وكان الأولى بهذا الإنسان، أن يحسن الظن بمثل" جالينوس" و" أبقراط" في رسمه من هذا، أو يتأمل فضل تأمل، ثم يرجع إلى المناقضة فإن مناقض الأولين وهو على الحق معذور، ولكن الأولى به أن ينعم النظر أولًا.
وأظن أن هذا الرجل اتفقت له تجارب أنجحت في هذا الباب، فركن إليها وأمثال هذه التجارب التي ليست على القوانين قد يتفق لها أن لا تنجح، ولا واحد ويتفق لها أن لا تتحقق، ولا واحد فهذا هو الواجب، فأما إن كانت المادة كثيرة متحركة منتقلة من عضو إلى عضو، وظننت أنه لا مهلة إلى نضجها، أو ربفا حدثت منها أورام سرسامية وغير ذلك، ولو تركت أوقعت في خطر قبل الزمان الذي يتوقع فيه نضجها. وذلك أطول من الزمان الذي يتوقع فيه نضج المعتدل لا محالة، فلا بد من استفراغها فإن الخطر في ذلك أقل من الخطر فيها.
ومع ذلك فإن الطبيعة تكون متحركة إلى دفعها لكثرة أذاها، فإذا أعينت وافقها الإعانة فلا بد منه، واعلم أن الفصد ليس من قبيل ما ينتظر فيه النضج انتظاره في المسهلات، وإنما ينتظر النضج في الأخلاط الأخرى، وإذا تأخر الفصد عن ابتداء العلة، فلا تفصد في انتهائها إذ لا معنى له، وربما أهلك بموافاته ضعيف القوة، وكذلك إن خفت غلبة من الخلط وأوجب الاحتياط الاستفراغ، وإن لم يكن نضج فلا تحرك إلا في الابتداء. وأما عند الانتهاء، فلا تحرك شيئاً حتى يغلب الطبيعة وينضج، فإن لم تتحرك هي حركت أنت وفق تحريكها، وإن كانت هي تتحرك أو تحركت فدعها وفعلها وهذا هو الذي يسميه" أبقراط" هائجاً حين قال ينبغي أن يستعمل الدواء المسهل بعد أن ينضج المرض، فأما في أول المرض، فلا ينبغي أن يستعمل ذلك إلا أن يكون المرض مهتاجاً وليس يكاد يكون في أكثر الأمر مهتاجاً.
ومثل هذا الاستفراغ الضروري الذي ليس في وقته مثل: التغذية الضرورية التي ليس في