القانون في الطب - ابن سينا - الصفحة ٣٧ - فصل في الإشارة إلى معالجات كلية لحمى العفونة
الصفراوي فنضجه أن يصير خاثراً عن رِقته، والماء البارد يفعل ذلك إلا أن تكون المعدة أو الكبد ضعيفة، أو باردة أو يكون في الأحشاء ورم، أو يكون في أعضائه وجع، أو يكون مزاجه قليل الدم، أو حرارته الغريزية ضعيفة فيضعف بعد شرب الماء البارد، أو يكون غير معتاد لشرب البارد مثل: أهل بلاد الحز وهؤلاء يتشنجون بسرعة، ويصيبهم فواق والمهزول من هذه الجملة.
وأما حيث المادة حارة أو غليظة قد نضجت، والبدن عبلًا والحرارة الغويزية موفورة، وتكون القوة قوية، والأحشاء سالمة ليست باردة المزاج الأصلي، ولم يكن غير معتاد للماء البارد بل هو معتاد للبارد جداً، فالماء البارد أفضل شيء فإنه كثيراً ما أعان على نفض المادة بإطلاق الطبيعة، أو بالقيء، أو بالبول، أو بالتعريق، أو بجميع ذلك فيكون في الوقت يعافى. وربما سقى الطبيب العليل من الماء البارد قدراً كثيراً حتى يخضر لونه، ويرتعد ولو إلى من ونصف، فربما استحالت الحمًى إلى البلغمية، وربما قوي الطبع ودفع المادة بعرق وبول وإسهال، وكانت عافيته، وإذا كان بعض المواضع وارماً ثم خفت مضرة الحرارة والعطش، وظننت أنه يؤدي إلى الذبول، لم يمنع الماء البارد. فإن ازدياد الورم أو فجاجته، ربما كان خيراً من الذبول، والسكنجبين ربما سكن العطش وقطع وأطلق وليست مضرته بالورم كثيرة كمضرة الماء، وليس له جمع المادة وتكثيفها. وكذلك الجلّاب الكثير المزاج، وإذا لم يجز أن يشرب الماء البارد، فأقدم عليه خيف أن يحدث تقبّضاً من المسام، فيصير سبباً لحمى أخرى لحدوث سدّة أخرى، وربما كانت أشدّ من الأولى.
وإذا صادف عضواً ضعيفاً أفسد فعله فكثيراً ما عَسُر الازدراد، وعسر النفس وأحدث رعشة وتشنّجاً، وضعف مثانة أو كلية أو قولون، وأكثر من يجب أن يمنعه منهم الماء البارد من يتضرر به في صحته، بل إذا رأيت السخنة قوية والعضل غليظة، والمزاج حاراً يابساً، واستفرغت فرخص أحياناً في الاستنقاع في الماء البارد.
وعند الانحطاط وظهور علامات النضج والاستفراغ للأخلاط، فلا بأس أن يستعمل الحمام، وشرب الشراب الرقيق الممزوج، والتمريخ بالأدهان المحلّلة فإذا استعملت القوانين المذكورة في أول عروض الحمّى، فيجب بعد ذلك أن تشتغل بالإنضاج والاستفراغ الذي ليس على سبيل التقليل والتجفيف، وقد ذكرناه بل على سبيل قطع السبب، ولا تستفرغ المادة غير نضيجة في حار أو بارد، إلا لضرورة فربما كثر الاستفراغ من غير الخلط الغير المتهيىء للاستفراغ بالنضج.
وربما خلط الخبيث بالطيب لتحريك الخبيث من غير إنضاجه، ولا تصغ إلى الرجل الذي زعم أن الغرض في الإنضاج الترقيق، والخلط الحاد رقيق لا حاجة إلى ترقيقه، فليس الأمر كما يقوله، بل الغرض في الإنضاج تعديل قوام المادة حتى تصير متهيئة للدفع السهل، والرقيق المتسرب، والغليظ الناشب، واللزج اللحج كل ذلك غير مستعد للدفع السهل، بل يحتاج